قاد اكتشاف غير متوقع داخل استوديو تصوير عائلي قديم في منطقة كوم الدكة بمدينة الإسكندرية إلى العثور على أرشيف فوتوغرافي ضخم يضم أكثر من نصف مليون صورة ونسخة أصلية "نيغاتيف"، توثق محطات بارزة من تاريخ المدينة على مدى أكثر من خمسة عقود.

بدأت القصة عندما كان المصور المصري عبد العزيز بدوي يبحث عن مساحة إضافية داخل الاستوديو الذي ورثه عن جده، المصور أحمد بدوي، قبل أن يعثر بالصدفة على باب صغير يقود إلى سرداب ظل مغلقاً لسنوات طويلة، ليكتشف داخله آلاف الأظرف والصور والأفلام الفوتوغرافية المحفوظة منذ خمسينيات القرن الماضي.
يضم الأرشيف صوراً توثق الحياة اليومية في الإسكندرية، إلى جانب أحداث سياسية ورياضية وثقافية واجتماعية، ولقطات لعدد من الشخصيات العامة والفنانين والرياضيين، فضلاً عن مناسبات شعبية وأرشيف بصري يعكس التحولات التي شهدتها المدينة حتى مطلع الألفية الجديدة.
كشف عبد العزيز بدوي أن كثيراً من الصور عُثر عليها في حالة تحتاج إلى ترميم، مؤكداً أن حجم الأرشيف يجعل عملية فرزه وفهرسته عملاً يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين، خصوصاً أن آلاف الأفلام الفوتوغرافية لم تُطبع بعد، ولا تزال محتوياتها مجهولة.

وثقت الصور المكتشفة أحداثاً تاريخية بارزة، من بينها زيارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى الإسكندرية عام 1964، إضافة إلى استقبال شعبي لأبطال الكتيبة 603 عقب حرب أكتوبر، والجنازة الرمزية لعبد الناصر في الإسكندرية، فضلاً عن حفلات للفنانة أم كلثوم وعروض مسرحية شارك فيها فنانون بارزون.

احتوى الأرشيف أيضاً على صور توثق تاريخ الأندية الرياضية في المدينة، وفي مقدمتها الاتحاد السكندري والأولمبي، إلى جانب فعاليات طلابية لدارسين عرب وخليجيين في جامعة الإسكندرية، وصور للحياة الاجتماعية في الأحياء القديمة ومناسبات المسلمين والأقباط.
اختار عبد العزيز بدوي إتاحة جزء من الصور للجمهور عبر معرض مفتوح أُقيم في شوارع وأزقة منطقة كوم الدكة، بدلاً من الاكتفاء بحفظها داخل المؤسسات، بهدف إعادة هذه الذاكرة البصرية إلى أبناء المدينة وإتاحة الاطلاع عليها للجميع.

شهد المعرض تفاعلاً واسعاً من سكان الإسكندرية، الذين حرص كثير منهم على البحث بين الصور عن أقاربهم وأصدقائهم، فيما تعرفت إحدى السيدات على صورة لابنها الذي استشهد خلال حرب أكتوبر، في مشهد عكس القيمة الإنسانية والتاريخية لهذا الأرشيف.
يواصل القائمون على المشروع أعمال ترميم الصور وفهرستها، مع تطلعهم إلى تحويل الأرشيف إلى مشروع مفتوح يتيح للباحثين والمهتمين والجمهور استكشاف تاريخ الإسكندرية المصور، والحفاظ على هذا الإرث البصري للأجيال المقبلة.