حرب إسرائيل تفتح أزمة عقارات الجنوب اللبناني

2026.07.23 - 11:15
Facebook Share
طباعة

 لا تقتصر آثار الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان على الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية، بل تمتد إلى ملف أكثر تعقيداً يتعلق بالملكية العقارية وحدود الأراضي، بعدما أدت عمليات التجريف وتغيير معالم الأرض إلى طمس كثير من العلامات التي كانت تفصل بين العقارات والبلدات.

وأدت عمليات القصف والتجريف وحفر الخنادق وإزالة الجدران الحجرية والسناسل والطرق الزراعية، إضافة إلى اقتلاع الأشجار المعمرة التي كانت تستخدم كحدود طبيعية بين الأراضي، إلى تغيير شكل المناطق الحدودية، ما يجعل تحديد ملكيات كثيرة أكثر صعوبة بعد انتهاء الحرب.

وتتركز هذه المشكلة بشكل خاص في المناطق التي لم تكن أراضيها ممسوحة عقارياً بشكل كامل، إذ تعتمد ملكيات عدد من السكان على وثائق عرفية مثل "العلم والخبر" التي تثبت حيازة الأرض ووصف حدودها، لكنها لا تمنح العقار رقماً رسمياً أو سند ملكية مسجلاً في الدوائر العقارية.

وتوضح رئيسة "الهيئة اللبنانية للعقارات" المحامية أنديرا الزهيري أن مناطق واسعة في الجنوب، خصوصاً في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، تضم أراضي غير ممسوحة، ما يجعل أصحابها أكثر عرضة لمشكلات قانونية بعد الحرب.

وتقول الزهيري إن صاحب الأرض غير الممسوحة يحصل على "علم وخبر" يتضمن إقراراً بملكيته ووصفاً لمساحة العقار وحدوده، لكنه لا يعادل السند العقاري الرسمي، مشيرة إلى أن اختفاء المعالم الميدانية سيجعل إثبات الحدود بين الأراضي أكثر صعوبة.

وأضافت أن المشكلة لا تتعلق فقط بإثبات ملكية الأرض، بل أيضاً بتحديد موقعها ومساحتها بدقة، بعدما أدت أعمال التجريف وتغيير التضاريس إلى إزالة كثير من العلامات التي كان يعتمد عليها السكان في معرفة حدود عقاراتهم.

 

مناطق تواجه صعوبات أكبر

ويشير مختار بنت جبيل محمد عسيلي إلى أن قرى عدة في القضاء تواجه تحديات كبيرة بسبب وجود أراض غير ممسوحة، ومن بينها مارون الرأس وعيترون ويارون وعيتا الشعب.

وأوضح أن القرى التي خضعت لأعمال المسح العقاري ستكون أوضاعها أفضل نسبياً، حتى في حال تعرضت بعض السجلات أو الوثائق للتلف، لأن نسخاً منها محفوظة لدى دوائر المساحة التابعة للمديرية العامة للشؤون العقارية في وزارة المالية.

أما الأراضي غير الممسوحة، فتحتاج إلى عمليات إعادة تحديد ميدانية، وهي مهمة أكثر تعقيداً بسبب تغير شكل الأرض وفقدان العلامات التي كانت تساعد في تحديد الحدود.

ولا تقتصر المشكلة على فقدان الوثائق، إذ إن موجات النزوح التي رافقت الحرب زادت من صعوبة الحفاظ على السجلات والمستندات. فقد غادر كثير من السكان منازلهم بشكل عاجل، في حين اضطرت البلديات والمخاتير إلى ترك مقراتهم، ما عرض بعض الملفات والوثائق للتلف أو الضياع.

 

نزاعات عقارية محتملة

ويرى خبراء أن ملف الملكيات قد يتحول بعد الحرب إلى أحد أبرز التحديات القانونية والاجتماعية في الجنوب، خصوصاً مع الحاجة إلى إعادة بناء المنازل وصرف التعويضات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية.

وتحذر الزهيري من احتمال ارتفاع النزاعات العقارية بين السكان نتيجة اختفاء الحدود الفاصلة بين الأراضي، مشيرة إلى أن الخلافات على الملكيات قد تتوسع بين أفراد العائلة الواحدة أو بين الجيران، خصوصاً في المناطق التي تداخلت فيها الحدود بسبب التجريف والدمار.

وتضيف أن الضغوط الاقتصادية والحاجة إلى الأراضي لإعادة البناء أو الحصول على التعويضات قد تزيد من احتمالات النزاعات، ما يجعل معالجة الملف العقاري أمراً ضرورياً قبل انطلاق مرحلة إعادة الإعمار بشكل واسع.

 

تأثير مباشر على إعادة الإعمار

ولا يمكن تنفيذ كثير من مشاريع إعادة الإعمار قبل حسم ملف الملكيات، إذ تحتاج عمليات منح رخص البناء وصرف التعويضات وتنفيذ مشاريع الخدمات إلى تحديد واضح لأصحاب الحقوق وحدود العقارات.

ويرى متابعون أن أي تأخير في معالجة هذا الملف سيؤدي إلى إطالة فترة النزوح، وتأخير عودة السكان إلى قراهم، وتعقيد عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي في المناطق المتضررة.

ولا تبدو الحلول الفردية كافية لمعالجة حجم المشكلة، خصوصاً أن دعاوى تحديد وتحرير الملكيات عبر القضاء تحتاج إلى وقت طويل وتكاليف مرتفعة، في حين يواجه كثير من المتضررين صعوبات مالية.

وتشير الزهيري إلى أن كلفة مسح عقار واحد قد تصل إلى نحو 200 دولار، وهو مبلغ قد يكون مرتفعاً بالنسبة لكثير من السكان الذين فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم خلال الحرب.

 

خطة رسمية مطلوبة

ويطالب خبراء بوضع خطة وطنية لمعالجة الملف العقاري في الجنوب، تشارك فيها الدولة والبلديات والجهات الهندسية المختصة، بهدف إعادة تثبيت حدود الأراضي وحماية حقوق المالكين.

وتشمل المقترحات إجراء عمليات تحديد وتحرير إلزامية للعقارات المتضررة، عبر فرق تضم مساحين ومهندسين طبوغرافيين، تعتمد على الوثائق المتوفرة وإفادات الأهالي والمخاتير والخرائط الموجودة لدى الجهات الرسمية.

لكن مختار بنت جبيل محمد عسيلي يشير إلى أن الاعتماد على الخرائط البلدية أو الصور الجوية لن يكون كافياً لإعادة رسم الحدود بدقة كاملة، وقد يؤدي إلى نتائج تقديرية مع وجود فروقات محتملة بين الواقع والخرائط.

وبحسب عسيلي، فإن هذه الفروقات قد تصل إلى متر أو مترين في بعض الحالات، ما يعني أن بعض النزاعات قد تستمر حتى بعد انتهاء عمليات المسح.

وبذلك، لا تواجه قرى الجنوب تحدي إعادة بناء ما دمرته الحرب فقط، بل تواجه أيضاً مهمة إعادة رسم خريطة الملكيات التي تغيرت معالمها، وهي عملية قد تكون من أصعب مراحل ما بعد الحرب.

 

المصدر: الأخبار

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 2 + 1