المناطق التجريبية.. خطوة نحو الانسحاب أم إدارة جديدة للصراع؟

2026.07.21 - 21:39
Facebook Share
طباعة

دخل اتفاق "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان مرحلة التنفيذ الميداني مع انتشار وحدات من الجيش اللبناني داخل بلدة زوطر الغربية، في خطوة وُصفت بأنها أول تطبيق عملي للتفاهمات الأمنية الموقعة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، غير أن التطورات التي أعقبتها أعادت طرح تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل بداية انسحاب إسرائيلي حقيقي أم مجرد إعادة تموضع محدودة مرتبطة بشروط سياسية وأمنية.

 

تزامن دخول الجيش اللبناني إلى البلدة، صباح الثلاثاء، مع مشاهد لآليات عسكرية ترفع العلم اللبناني، قبل أن يعلن الجيش بعد ساعات تعرض قواته لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي، بالتوازي مع قصف وتفجيرات استهدفت بلدات مجاورة، في تطور عكس هشاشة الترتيبات الأمنية منذ يومها الأول.

 

بدأ مسار "المناطق التجريبية" بتوقيع اتفاق إطاري في 26 يونيو/حزيران الماضي برعاية الولايات المتحدة، يقضي بانتشار الجيش اللبناني داخل مناطق محددة، وإزالة السلاح والبنية العسكرية التابعة للجهات غير الحكومية، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية.

 

شهدت الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة، التي استضافتها روما منتصف يوليو/تموز، اتفاقًا بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على الآليات التنفيذية للمناطق التجريبية، قبل أن تعلن وزارة الخارجية الأميركية بدء تطبيق المرحلة الأولى في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية.

 

باشرت وحدات الجيش اللبناني، فور دخولها زوطر الغربية، تنفيذ عمليات مسح هندسي للطرقات والبحث عن الألغام والمتفجرات ومخلفات القوات الإسرائيلية، فيما دعت قيادة الجيش السكان إلى عدم العودة قبل انتهاء الإجراءات الأمنية والتأكد من سلامة المنطقة.

 

برز أول خلاف ميداني مع إعلان الجيش اللبناني تعرض قواته لإطلاق نار "على مقربة" من مواقع انتشارها، معتبرًا أن ذلك يهدد تنفيذ الاتفاق، بينما قال الجيش الإسرائيلي إن قواته أطلقت "عيارات تحذيرية" بعد تجاوز جنود لبنانيين الخط المتفق عليه، ما كشف عن غياب تفاهم واضح بشأن حدود الانتشار وآليات التعامل مع أي احتكاك ميداني.

 

توضح المعطيات الميدانية أن ما جرى لا يرقى إلى انسحاب إسرائيلي واسع من الجنوب، إذ لم تكن القوات الإسرائيلية تتمركز بصورة دائمة داخل بلدتي فرون وصريفا، بينما اقتصر وجودها في زوطر الغربية على عمليات توغل مؤقتة عند الأطراف قبل الانسحاب منها.

 

واصلت القوات الإسرائيلية تمركزها في زوطر الشرقية المتاخمة، إضافة إلى تلة علي الطاهر ومواقع استراتيجية أخرى، الأمر الذي أبقى سيطرتها العسكرية والنارية قائمة على مساحات واسعة من جنوب لبنان.

 

أكدت معطيات ميدانية أن بلدة فرون لم تشهد وجودًا عسكريًا إسرائيليًا مباشرًا خلال الحرب الأخيرة، فيما أعلنت بلديتها أنها تقع خارج ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو ما يعزز التقديرات التي تشير إلى أن المرحلة الأولى لم تشمل انسحابًا من مناطق احتلال فعلي.

 

قدر العميد المتقاعد إلياس حنا مساحة البلدات الثلاث بنحو 2% فقط من أصل ما يقارب 600 كيلومتر مربع تقع ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية، معتبرًا أن الاختبار الحقيقي سيبدأ عند الانتقال إلى بلدات يحتلها الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة.

 

رأى العميد المتقاعد حسن جوني أن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة الاتفاق على فرض انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة فعليًا، وليس الاكتفاء بانتشار الجيش في بلدات لم تكن القوات الإسرائيلية مستقرة داخلها.

 

تواجه القرى المشمولة بالمرحلة الأولى أوضاعًا إنسانية معقدة نتيجة الدمار الواسع، إذ تشير التقديرات إلى تضرر نحو 80% من منازل فرون، بينما لا تزال شبكات الطرق والبنية التحتية بحاجة إلى أعمال إزالة أنقاض ومسح هندسي قبل السماح بعودة السكان.

 

يربط الاتفاق الانتقال إلى المراحل التالية بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها الأمنية الكاملة داخل المناطق التجريبية، بما يشمل إزالة السلاح غير الخاضع للدولة، وهو الشرط الذي تعتبره إسرائيل والولايات المتحدة أساسًا لاستكمال الانسحابات اللاحقة.

 

أبقت واشنطن، وفق تقارير إعلامية، ملف التحقق من خلو المناطق من سلاح حزب الله مفتوحًا، من دون حسم الجهة التي ستتولى هذه المهمة، وهو ما يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا لتأجيل أي انسحاب إضافي بحجة عدم استيفاء الشروط الأمنية.

 

يحمل الاتفاق أبعادًا سياسية داخلية معقدة، في ظل رفض حزب الله مبدأ نزع سلاحه ورفضه نتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ما يضع الجيش اللبناني أمام مهمة شديدة الحساسية ترتبط بالتوازنات الداخلية.

 

يتضمن الإطار الموقع بندًا ينص على وقف "الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية"، وهو بند يرى مراقبون أنه قد يحد من قدرة لبنان على ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام الهيئات والمحاكم الدولية.

 

تزامن تنفيذ المرحلة الأولى مع زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما طالب خلال اجتماعه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ببدء انسحاب إسرائيلي من المنطقة التجريبية الأولى، في حين ربطت الإدارة الأميركية دعمها للدولة اللبنانية بتعزيز سلطتها الأمنية وحصر السلاح بيد مؤسساتها.

 

تتراوح السيناريوهات المطروحة بين نجاح التجربة وانتقالها إلى مناطق يحتلها الجيش الإسرائيلي بالفعل، بما يفتح الباب أمام عودة السكان وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وبين استمرار الوضع الحالي الذي ينتشر فيه الجيش اللبناني داخل مناطق محدودة، مقابل احتفاظ إسرائيل بمواقعها الرئيسية وتأجيل أي انسحابات جديدة تحت عنوان التحقق الأمني.

 

يبقى احتمال انهيار الاتفاق قائمًا أيضًا إذا تجددت الاشتباكات أو استؤنفت العمليات العسكرية، خصوصًا مع استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، وارتباط الساحة اللبنانية بالتطورات الإقليمية الأوسع.

 

يعكس ما جرى في زوطر الغربية بداية مسار أمني وسياسي معقد أكثر مما يمثل انسحابًا إسرائيليًا شاملًا، إذ لا تزال فعالية الاتفاق مرهونة بمدى التزام الأطراف بتنفيذه، وبقدرة الدولة اللبنانية على تجاوز التحديات الأمنية والسياسية التي تحيط به.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 6 + 4

Lire aussi