أثار قرار تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري، التي كان مقرراً عقدها يوم الاثنين 6 تموز، نقاشاً واسعاً حول أسباب التأجيل وخلفياته، في ظل عدم صدور توضيح رسمي يحدد دوافع القرار أو الموعد الجديد لانعقاد المجلس.
وجاء التأجيل بعد أيام من استكمال تشكيل مجلس الشعب، حيث كان من المنتظر أن تشهد الجلسة الافتتاحية أداء الأعضاء اليمين الدستورية، وانتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر، وهي الخطوات التي تمثل البداية العملية لعمل السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
وأعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الأحد، تأجيل موعد انعقاد الجلسة الأولى إلى موعد يحدد لاحقاً، من دون تقديم تفاصيل حول أسباب القرار أو تحديد تاريخ جديد.
وأدى غياب التوضيح الرسمي إلى ظهور تفسيرات متعددة بشأن خلفيات التأجيل، بين من ربطه بظروف سياسية طارئة، ومن أثار تساؤلات حول الإجراءات التنظيمية والقانونية المرتبطة بانطلاق عمل المجلس.
ارتباط التأجيل بزيارة الرئيس الفرنسي
قال ثلاثة أعضاء في مجلس الشعب إن تأجيل الجلسة جاء نتيجة تزامن موعدها مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وما رافقها من ارتباطات رسمية للرئيس السوري أحمد الشرع.
وأوضح الأعضاء أن موعد الجلسة الجديدة لم يعتمد رسمياً حتى الآن، إلا أنهم رجحوا ألا تمتد فترة التأجيل طويلاً، من دون تقديم موعد محدد أو مؤكد لانعقاد الجلسة المقبلة.
وأكد الأعضاء عدم وجود أسباب أخرى معلنة وراء القرار، لكن التأجيل تزامن مع ظهور ملاحظات مرتبطة بالتعليمات التنفيذية الخاصة بإدارة الجلسة الأولى، ما فتح نقاشاً حول الجوانب القانونية والتنظيمية التي تحكم انطلاقة المجلس.
إشكالات قانونية وتنظيمية
لم يقتصر الجدل على توقيت الجلسة، بل امتد إلى التعليمات التنفيذية الناظمة لها، حيث أثيرت ملاحظات حول مدى توافق بعض الإجراءات مع الإعلان الدستوري والمرسوم الخاص بانتخابات مجلس الشعب.
وشملت النقاشات آلية إدارة الجلسة الأولى، والجهة التي ستتولى رئاستها، وطريقة أداء الأعضاء للقسم الدستوري، إضافة إلى آلية انتخاب رئيس المجلس وأعضاء مكتبه.
كما طُرحت تساؤلات حول طريقة حسم انتخاب رئيس المجلس، وما إذا كان سيتم الاعتماد على حصول المرشح على أعلى عدد من الأصوات فقط، أم اشتراط حصوله على الأغلبية، إلى جانب وجود اختلافات بشأن عدد نواب الرئيس وأمناء السر وفق بعض النصوص والتعليمات المتداولة.
وأثارت الإجراءات المتعلقة بانتخابات مكتب المجلس نقاشاً إضافياً، ومنها القاعدة التي تمنع المرشح الذي يخسر المنافسة على أحد المناصب من الترشح لمنصب آخر خلال الجلسة نفسها، وسط تساؤلات حول الأساس القانوني لهذه القواعد.
وتأتي هذه النقاشات في وقت أوسع من الجدل حول طبيعة دور مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية، وحدود صلاحياته واستقلاليته في ممارسة مهامه التشريعية والرقابية.
أسئلة حول إدارة المرحلة الانتقالية
قال خبير الإدارة والحوكمة ومدير المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي باسم حتاحت إن تأجيل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، رغم اكتمال تشكيله، يطرح تساؤلات حول دوافع القرار وتوقيته، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والإقليمية المتغيرة.
ورجح حتاحت أن يكون التأجيل مرتبطاً بتطورات سياسية متزامنة، إضافة إلى اللقاءات والمؤتمرات الدولية التي تشهدها المرحلة الحالية، وهو ما قد يكون دفع القيادة السورية إلى إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والدبلوماسية.
وأضاف أن هذا الاحتمال، في حال صحته، يعكس وجود مشكلة في إدارة المواعيد الدستورية وجدولة الاستحقاقات، إذ كان من المفترض مراعاة عدم تعارض موعد الجلسة الأولى مع فعاليات دولية معلنة مسبقاً.
واعتبر أن تأجيل أول استحقاق دستوري للمجلس قد يعطي انطباعاً بأن المؤسسة التشريعية لم تحصل بعد على الأولوية المطلوبة ضمن مسار بناء مؤسسات الدولة، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على أداء دورها خلال المرحلة المقبلة.
تأثير التأجيل على صورة المؤسسة التشريعية
وأشار حتاحت إلى أن القرار يمكن أن يُقرأ باعتباره استمراراً لتقدم الاعتبارات التنفيذية على انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وهو ما قد يؤثر على صورة مشروع الإصلاح المؤسسي الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن إصدار حكم نهائي على القرار يتطلب معرفة الأسباب الرسمية للتأجيل، وما إذا كانت مرتبطة بعوامل سياسية أو أمنية أو تنظيمية استثنائية.
وأوضح أن غياب المعلومات الرسمية يجعل معظم التفسيرات المتداولة في إطار التحليل وليس الحقائق المؤكدة.
وخلص إلى أن تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل يحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية مرتبطة بطريقة إدارة الاستحقاقات الدستورية ومدى جاهزية المؤسسة التشريعية للقيام بدورها.
ووصف عدم انعقاد المجلس في موعده بأنه يمثل "ثغرة في مسار الديمقراطية السورية الحديثة"، مشيراً إلى أن ذلك قد يؤثر على صورة الإصلاح المؤسسي داخلياً وخارجياً.
قرار التأجيل جاء بعد إعلان موعد الجلسة
وكان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد الأحمد قد أصدر القرار رقم "40" في 5 تموز، والذي نص على تأجيل موعد انعقاد الجلسة الأولى إلى وقت لاحق.
وجاء القرار بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات دعوة أعضاء المجلس إلى الاجتماع الأول في 6 تموز، خلال مؤتمر صحفي خُصص للإعلان عن أسماء أعضاء المجلس الذين تم تعيينهم من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع.
وتزامن قرار التأجيل مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، حيث عقد لقاءات مع الرئيس الشرع، الأمر الذي دفع بعض الناشطين إلى الربط بين الحدثين، خاصة أن الجلسة الأولى كانت تتضمن أداء أعضاء المجلس اليمين الدستورية أمام الرئيس.