ألقت أزمة تجميد الحسابات المصرفية بظلالها على الواقع الاقتصادي في قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما حُرم عدد متزايد من العملاء من الوصول إلى مدخراتهم أو الاستفادة من الحوالات المالية، في وقت تعتمد فيه آلاف الأسر على هذه الأموال لتغطية احتياجاتها الأساسية في ظل الحرب وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية.
تزايدت الشكاوى من إغلاق أو تعليق الحسابات المصرفية دون توضيحات كافية بشأن أسباب الإجراءات أو المدة الزمنية اللازمة لإنهائها، ما دفع كثيرين إلى سحب مدخراتهم متى سنحت الفرصة أو تحويلها إلى الذهب، أو الاحتفاظ بها نقداً خارج البنوك تجنباً لأي تجميد مفاجئ.
أصبح هذا الملف يثير مخاوف متزايدة لدى المواطنين، إذ يرى اقتصاديون أن آثاره لا تقتصر على أصحاب الحسابات المجمدة، بل تمتد إلى حركة الأسواق والسيولة ومستويات الإنفاق، في ظل اعتماد شريحة واسعة من سكان القطاع على الحوالات الخارجية بعد انهيار فرص العمل وتراجع مصادر الدخل.
وتؤكد شهادات متضررين أن تجميد الحسابات أدى إلى تعطيل استخدام الخدمات المصرفية بالكامل، ومنع أصحابها من سحب أموالهم أو تنفيذ معاملاتهم المالية، رغم مراجعات متكررة للفروع المصرفية دون الحصول على تفسير واضح أو موعد محدد لإعادة تفعيل الحسابات.
كما سُجلت حالات جرى فيها إغلاق الحسابات عقب استقبال تحويلات مالية محدودة، من بينها حوالة بقيمة 300 دولار، ما أثار تساؤلات واسعة بشأن معايير تطبيق إجراءات التجميد وآليات مراجعتها.
دفعت هذه التطورات بعض أصحاب المدخرات إلى تحويل أموالهم إلى الذهب، إذ لجأ أحد العملاء إلى شراء مصاغ بقيمة 9 آلاف دولار، تمثل كامل مدخراته، رغم أن أسعار الذهب في السوق المحلية تتجاوز الأسعار العالمية بفارق ملحوظ، مفضلاً الاحتفاظ بقيمة أمواله بهذه الطريقة بدلاً من إبقائها داخل الحسابات المصرفية.
ويشير مختصون في الشأن الاقتصادي إلى أن استمرار القيود المفروضة على الحسابات، ولا سيما تلك المتعلقة بالورثة أو المستفيدين من التحويلات المالية، يؤدي إلى تراجع السيولة داخل الأسواق، ويحد من القدرة الشرائية للأسر، ويعمق حالة الركود الاقتصادي التي يعيشها القطاع.
يرى خبراء أن الإجراءات المرتبطة بتجميد الأموال، حتى إذا استندت إلى متطلبات تنظيمية أو قانونية، تستوجب آليات استثنائية تراعي الظروف الإنسانية، بما يضمن تسريع البت في المعاملات وتمكين المواطنين من الوصول إلى مدخراتهم دون تأخير.
كما يؤكد حقوقيون أن إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل في غياب الشفافية، إذ لا يتلقى كثير من أصحاب الحسابات تفسيراً واضحاً لأسباب تجميدها، ولا يتم إبلاغهم بالمدة المتوقعة لإنهاء الإجراءات أو بالخطوات المطلوبة لاستعادة إمكانية التصرف بأموالهم.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الحالة يضعف ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، ويدفع مزيداً من الأسر إلى الاحتفاظ بأموالها خارج البنوك، وهو ما ينعكس سلباً على الدورة الاقتصادية والاستقرار المالي في قطاع غزة.
في المقابل، يوضح مصدر مصرفي مطلع أن تجميد بعض الحسابات لا يصدر بقرار منفرد من البنوك، وإنما يرتبط بمتطلبات امتثال وتعليمات صادرة عن جهات خارجية، تلتزم المصارف الفلسطينية بتنفيذها حفاظاً على علاقاتها مع البنوك المراسلة، وتجنب أي إجراءات أو عقوبات قد تؤثر في استمرار خدماتها المالية وتحويلاتها الدولية.