كشفت بيانات رسمية إسرائيلية عن تصاعد الهجرة العكسية منذ عام 2023، مع مغادرة أعداد متزايدة من الأطباء والمهندسين والباحثين وخبراء التكنولوجيا، في مؤشر يعكس اتساع أزمة الثقة التي تغذيها الحرب والانقسام السياسي وتراجع النظرة إلى المستقبل.
أظهرت وثائق صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست أن متوسط عدد المغادرين بين عامي 2009 و2021 بلغ نحو 40.5 ألف شخص سنوياً، قبل أن يرتفع إلى 59.4 ألفاً في 2022، ثم إلى 82.8 ألفاً في 2023، ليستقر عند 69.5 ألفاً خلال 2024.
في المقابل، انخفض عدد العائدين من 29.6 ألفاً في 2022 إلى 24.2 ألفاً في 2023، ثم إلى 18.8 ألفاً فقط في 2024، ليسجل أدنى مستوى خلال السنوات الأخيرة، بينما بلغ صافي الهجرة السلبية بين 2022 و2024 نحو 140 ألف شخص.
ربط تقرير تحديثي للكنيست صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بداية الارتفاع الكبير بأحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنه أشار إلى استمرار الظاهرة خلال عام 2024، بعدما بلغ عدد المغادرين بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب نحو 50 ألف شخص، وهو مستوى قريب من الفترة نفسها من عام 2023.
ولا تقتصر المشكلة على حجم المغادرين، بل تمتد إلى طبيعة الفئات التي تغادر، إذ أظهرت بيانات الكنيست أن المهاجرين في سن العمل يتمتعون بمستويات تعليمية أعلى من متوسط المجتمع الإسرائيلي.
بلغت نسبة حملة البكالوريوس بين المهاجرين 1.5 ضعف نسبتهم بين السكان، بينما وصلت نسبة حملة الماجستير إلى الضعف، وسجل حملة الدكتوراه 4.6 أضعاف نسبتهم في المجتمع.
كما بينت الوثيقة أن 6% من خريجي الجامعات الإسرائيلية بين عامي 1990 و2018 أقاموا خارج البلاد ثلاث سنوات أو أكثر حتى عام 2023، فيما ارتفعت النسبة إلى 11.9% بين حملة الدكتوراه، مع تسجيل معدلات أعلى بين خريجي العلوم الدقيقة والهندسة
مقارنة بخريجي العلوم الإنسانية.
وأفادت دراسة أعدها البروفيسور إيتاي آتر والبروفيسور نتاي بيرغمان ودورون زامير بأن نحو 100 ألف إسرائيلي غادروا البلاد خلال العامين الأخيرين، بزيادة تجاوزت 60% مقارنة بمتوسط الفترة بين 2010 و2018.
شملت موجة المغادرة خلال عامي 2023 و2024 نحو 949 طبيباً، و3350 مهندساً، وأكثر من 21 ألفاً من حملة البكالوريوس، بينهم نحو 7400 متخصص في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إضافة إلى مئات الحاصلين على الدكتوراه.
وأوضحت الدراسة أن أكثر من 75% من المغادرين تقل أعمارهم عن 40 عاماً، فيما أشار تقرير بنك إسرائيل لعام 2025 إلى أن الفئة العمرية بين 30 و44 عاماً شكلت 29% من المهاجرين، رغم أنها تمثل 18% فقط من السكان.
وامتدت التداعيات إلى قطاع التكنولوجيا، إذ كشف تقرير هيئة الابتكار الإسرائيلية لعام 2026 عن أول تراجع في عدد موظفي البحث والتطوير داخل إسرائيل منذ أكثر من عقد، بانخفاض بلغ نحو 3500 موظف، وتراجع نسبتهم من 51% إلى 49% من إجمالي العاملين في القطاع.
وبين التقرير أن 62% فقط من موظفي شركات التكنولوجيا الإسرائيلية الخاصة يعملون داخل إسرائيل، بينما يعمل الباقون، بصورة رئيسية، في الولايات المتحدة، مع انتقال متزايد لمراكز الإدارة وصنع القرار إلى الخارج، وانخفاض عدد كبار المديرين داخل إسرائيل بنسبة 9.6%.
رغم تسجيل صادرات قطاع التكنولوجيا نحو 85 مليار دولار خلال 2025، بما يعادل 58% من إجمالي الصادرات، وجذب استثمارات قاربت 15 مليار دولار، حذر المدير العام لهيئة الابتكار درور بين من انتقال متزايد للخبرات والأنشطة الاقتصادية إلى الخارج.
ولم تتوقف المؤشرات عند من غادروا بالفعل، إذ كشف استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي نشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن نحو ربع اليهود وثلث العرب يفكرون في الهجرة المؤقتة أو الدائمة.
أظهرت النتائج أن 39% من اليهود العلمانيين يفكرون في الرحيل، مقابل 3% فقط من الحريديم، بينما بلغت النسبة 36% بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عاماً، وأكثر من 40% بين المنتمين إلى اليسار، و35% لدى تيار الوسط، مقابل 19% بين اليمين.
كما أشار الاستطلاع إلى أن 42% ممن يرون أوضاع إسرائيل سيئة يفكرون في المغادرة، مقابل 8% فقط ممن يصفونها بالجيدة، فيما برزت تكاليف المعيشة، والأوضاع الأمنية، وغياب مستقبل أفضل للأبناء، والأزمة السياسية، والإصلاح القضائي، باعتبارها أبرز دوافع الرحيل.
ورأى 58% من اليهود و64% من العرب أن تزايد أعداد المغادرين يشكل خطراً على مستقبل الدولة، بينما اعتبر 64% من اليهود أن هجرة أصحاب الكفاءات تمثل التهديد الأكبر.
وتناولت وثائق الكنيست أيضاً أوضاع المهاجرين الجدد، موضحة أن إسرائيل استقبلت نحو 445 ألف مهاجر بين عامي 2009 و2024، بينهم 284 ألفاً من دول الاتحاد السوفياتي السابق، إلا أن آلافاً منهم غادروا خلال فترة قصيرة.
غادر 18.1 ألف مهاجر جديد خلال عام واحد من وصولهم في 2022، و15.5 ألفاً في 2023، فيما بلغ عدد من غادروا خلال أول عامين من هجرتهم 27 ألفاً و983 شخصاً.
وأكدت البيانات أن الأزمة تتجاوز المهاجرين الجدد، بعدما ارتفع عدد الإسرائيليين القدامى الذين غادروا البلاد بنسبة 10% في 2022، ثم 40% في 2023، ما يعكس اتساع نزيف الكفاءات داخل المجتمع الإسرائيلي.
تشير مجمل المؤشرات إلى أن الحرب سرعت وتيرة الهجرة، لكنها جاءت فوق أزمة بدأت مع الانقسام السياسي، لتتحول خسارة إسرائيل من مجرد تراجع سكاني إلى نزيف متواصل في الكفاءات العلمية والطبية والتكنولوجية التي شكلت أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية.