كيف أحرقت الحرب جزءاً من ذاكرة بيروت الثقافية؟

2026.06.18 - 18:38
Facebook Share
طباعة

أحرقت الحرب الأخيرة في لبنان أكثر من مستودعات ومكتبات ودور نشر، إذ طالت جزءًا من الذاكرة الثقافية التي راكمتها بيروت على مدى عقود. فخلف الأبنية المدمرة والرفوف المتفحمة تختفي مئات آلاف الكتب والعناوين والمخطوطات التي شكلت جزءًا من المشهد الفكري العربي

ومع اتساع حجم الخسائر، يواجه العاملون في قطاع النشر والثقافة تحديًا يتجاوز إعادة بناء الحجر إلى محاولة إنقاذ ما تبقى من ذاكرة مدينة عُرفت طويلًا بأنها عاصمة الكتاب العربي.

 

خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، تضررت 11 مكتبة جزئيًا أو كليًا، بينها ثلاث دمرت بالكامل، وفق وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، كما توقفت بعض دور النشر عن العمل أو تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة القصف الذي طال مناطق عدة في بيروت.

 

ولم تكن بيروت مجرد مدينة للنشر، بل شكلت منذ منتصف القرن العشرين مركزًا رئيسيًا للطباعة والتوزيع الثقافي في العالم العربي ففي وقت ضاقت فيه مساحات النشر في العديد من الدول العربية، تحولت العاصمة اللبنانية إلى ملاذ للكتاب والمفكرين والباحثين، وخرجت منها أعمال

فكرية وأدبية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العربي على مدى عقود.

 

لكن الحروب المتعاقبة التي شهدها لبنان وضعت هذا الإرث أمام تحديات متكررة فكل جولة عنف كانت تعني خسارة جديدة في الأرشيفات والمخطوطات والعناوين النادرة، غير أن الحرب الأخيرة بدت أكثر قسوة بسبب حجم الدمار الذي طال مؤسسات ثقافية فاعلة ومخازن تضم مئات آلاف الكتب.

 

من أبرز الخسائر التي سُجلت تدمير مستودع "المركز الثقافي للكتاب" في الضاحية الجنوبية لبيروت، والذي كان يضم أكثر من 500 عنوان في الفكر والأدب والتاريخ، إلى جانب مخطوطات غير منشورة. وأسفرت الغارة التي دمرت المبنى المؤلف من 14 طابقًا عن دفن نحو 250 ألف نسخة تحت الأنقاض، فيما قُدرت الخسائر المادية بما لا يقل عن مليوني دولار.

 

كما فقدت دار "مؤمنون بلا حدود" كامل مخزونها بعد تدمير مستودعاتها، ما أدى إلى احتراق نحو 400 ألف كتاب تمثل قرابة 400 عنوان. ولم تقتصر الخسارة على الكتب المطبوعة، بل شملت أعمالًا فكرية وترجمات ومشروعات معرفية استغرق إنجازها سنوات طويلة، وبعضها

مرتبط بحقوق نشر واتفاقيات يصعب تعويضها بسرعة.

تعرضت "دار الرافدين"، التي شكلت على مدى سنوات جسرًا ثقافيًا بين لبنان والعراق، لخسائر كبيرة بعد استهداف المبنى الذي يضم مكاتبها وأرشيفها وضاعت نتيجة ذلك أكثر من 1300 عنوان ومجموعة واسعة من المخطوطات والوثائق، فيما تراوحت الخسائر المادية بين 300 و400 ألف دولار.

 

ولم تكن المكتبات العامة بمنأى عن الدمار. فقد خسرت مكتبة "فيلوسوفيا" أكثر من 20 ألف عنوان بعد تعرضها للقصف، من بينها طبعات نادرة ونسخ موقعة من شخصيات أدبية بارزة مثل محمود درويش وسميح القاسم والطيب صالح وأحمد فؤاد نجم كما تجاوزت الخسائر المادية للمكتبة 250 ألف دولار، في وقت يواجه القائمون عليها تحديًا يتمثل في إعادة بناء المكان والمخزون الثقافي معًا.

 

وفي مقابل هذه المشاهد، ظهرت محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكتب والأرشيفات. ففي مكتبة "كتابخانة"، التي تأسست عام 2025 كمشروع يجمع بين المكتبة والمقهى والمساحة الثقافية، نجح العاملون والمتطوعون في نقل الكتب إلى أماكن آمنة قبل تعرض المنطقة المحيطة للقصف.

وشملت عملية الإنقاذ مجموعة نادرة من الكتب الفارسية القديمة وعناوين أخرى يصعب تعويضها.

 

تكشف هذه الوقائع أن خسائر الحرب لا تقاس فقط بعدد المباني المدمرة أو بحجم الأضرار المادية، بل بما يضيع من ذاكرة ومعرفة تراكمتا عبر سنوات طويلة. فكل مخطوطة فُقدت أو كتاب احترق يمثل جزءًا من تاريخ ثقافي أوسع، كما أن تدمير المكتبات ودور النشر ينعكس على الكتّاب والباحثين والقراء الذين ارتبطت أعمالهم ومساراتهم بهذه المؤسسات.

 

رغم حجم الخسائر، لا تزال محاولات إعادة البناء مستمرة من خلال إعادة طباعة الكتب التي فُقدت، وترميم الأرشيفات، والتوسع في النشر الرقمي كوسيلة لحماية المحتوى الثقافي من أخطار الحروب والكوارث وبين الركام والرفوف المحترقة، يواصل العاملون في قطاع النشر الدفاع عن فكرة أن الثقافة يمكن أن تنجو حتى في أكثر الظروف قسوة، وأن الكتاب، مهما تعرض للاستهداف، يبقى أحد أكثر أشكال الذاكرة قدرة على البقاء.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3