لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات عسكرية منخفضة الكلفة تُدار عن بُعد وتُستخدم لأغراض الاستطلاع أو القصف المحدود، بل دخلت مرحلة تحول نوعي عميق مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تصميمها وتصنيعها وتشغيلها. هذا التطور نقلها تدريجيًا إلى أنظمة قتالية ذكية قادرة على الرصد والتحليل والتتبع، بل واتخاذ قرارات ميدانية بدرجات متفاوتة من الاستقلالية عن التدخل البشري.
هذا التحول التكنولوجي يمنح الجيوش قدرات غير مسبوقة ويعيد رسم ملامح الحروب الحديثة التي عرفها العالم لعقود طويلة، لكنه في الوقت ذاته يثير جدلاً واسعًا ومخاوف متصاعدة بشأن مستقبل قد تصبح فيه الآلات قادرة على اختيار أهدافها وتنفيذ عمليات قتالية دون إشراف مباشر، وما يرافق ذلك من أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة تتعلق بقرارات الحياة والموت في ساحات القتال.
وتُظهر التطورات المتسارعة في الحرب الروسية – الأوكرانية أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز محركات التحول في طبيعة الصراع الممتد منذ سنوات، حيث تطورت المسيّرات من أدوات تقليدية للاستطلاع أو الهجوم المحدود إلى أنظمة متقدمة تعمل ببرمجيات ذكية داخل بيئات ميدانية معقدة ومليئة بالتشويش والتداخل الإلكتروني.
في أغسطس/آب 2025، بدأ الجيش الأوكراني استخدام طائرات مسيّرة اعتراضية تُدار في البداية بواسطة مشغّلين بشريين من دون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، قبل أن تتطور لاحقًا إلى نماذج أكثر تقدمًا، من بينها مسيّرة "بي-1 صن"، التي تُعد من أوائل الطائرات الأوكرانية الاعتراضية المزودة بقدرات ذكاء اصطناعي، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".
كما أعلنت شركة "سكاي فول"، وهي إحدى أبرز شركات تصنيع المسيّرات في أوكرانيا، أن طائراتها الاعتراضية نفذت عشرات العمليات الهجومية والدفاعية بمساعدة أنظمة ذكاء اصطناعي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد تدريبها على كميات ضخمة من البيانات التي جُمعت خلال العمليات القتالية الفعلية.
ويرى الباحث السياسي الأوكراني خليل عزيمة أن الحرب دفعت أوكرانيا إلى تسريع تطوير قطاع المسيّرات والذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق، موضحًا أن الحاجة العسكرية الملحّة وضغوط الميدان فرضت إدماج الابتكار التكنولوجي في صميم الاستراتيجية الدفاعية للدولة.
وبحسب عزيمة، انتقلت أوكرانيا خلال فترة قصيرة من الاعتماد على مسيّرات تجارية معدّلة إلى بناء منظومة تصنيع محلية متكاملة تشمل مسيّرات هجومية بعيدة المدى، وأخرى انتحارية منخفضة التكلفة، إضافة إلى أنظمة مضادة تُعرف باسم "صائدي المسيّرات"، وهي تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتعقب الطائرات الروسية المعادية وإسقاطها أثناء الطيران.
في المقابل، بدأت روسيا منذ أبريل/نيسان 2026 إعطاء أولوية متقدمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة ضمن منظومتها العسكرية، بتوجيه مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين، بهدف دمج هذه التقنيات في أنظمة القيادة والسيطرة والأسلحة المستقبلية، وفق ما أشار إليه تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة.
ويشير التقرير إلى أن المقاربة الروسية لا تقوم على امتلاك نماذج متقدمة للغاية من الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تعتمد على توظيف تطبيقات محدودة وتحويلها إلى أدوات فعالة ميدانيًا عبر السرعة في التطوير، وانخفاض الكلفة، والاستفادة المستمرة من بيانات ساحة المعركة.
كما كشف التقرير عن ظهور نماذج من المسيّرات الروسية ذاتية التشغيل بالكامل، من بينها مسيّرة "V2U"، القادرة على تنفيذ مهامها من دون اتصال خارجي، والعمل دون الاعتماد على أنظمة تحديد المواقع العالمية، ومواصلة الملاحة في بيئات مشوشة إلكترونيًا، إضافة إلى قدرتها على التعرف على الأهداف واختيارها وتنفيذ المهام بدرجات عالية من الاستقلالية.
وفي السياق ذاته، أوضح الأستاذ المشارك في الأكاديمية الرئاسية الروسية عمرو الديب أن روسيا حققت تطورًا ملحوظًا في صناعة المسيّرات، بعد انتقالها من استخدامها كأدوات استطلاع خاضعة بالكامل للتحكم البشري إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير قدراتها الدفاعية والهجومية على حد سواء.
ويرى عدد من الخبراء أن سباق التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي سيحدد ملامح القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد معيار التفوق في الحروب مرتبطًا فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على تحليل البيانات بسرعة، واتخاذ القرار في الزمن الفعلي، ودمج الخوارزميات داخل منظومات القتال.
وفي هذا الإطار، يصف أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة الإسكندرية أحمد بهاء خيري الطائرات المسيّرة الذكية بأنها من أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، بعدما انتقلت من مهام المراقبة والاستطلاع إلى تنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا تشمل التعرف على الأهداف، وتتبعها، واتخاذ قرارات تكتيكية في لحظات القتال.
ويضيف خيري أن الذكاء الاصطناعي لم يعد عنصرًا إضافيًا في هذه الأنظمة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من بنيتها التشغيلية، إذ باتت الطائرات الحديثة قادرة على تحليل الصور والبيانات القادمة من المستشعرات، وتحديد الأهداف المحتملة، وتعديل مسارها تلقائيًا وفق تطورات الميدان.
لكن هذا التطور التقني المتسارع يفتح في المقابل الباب أمام مخاوف واسعة من الجوانب الأخلاقية والقانونية، في ظل اقتراب العالم من مرحلة انتشار الأسلحة الذاتية التشغيل بالكامل، وما يرافق ذلك من تحذيرات دولية بشأن نقل قرارات القتل إلى أنظمة خوارزمية.
وقد حذرت الأمم المتحدة من احتمال تطوير ما يُعرف بـ"الروبوتات القاتلة" القادرة على تحديد الأهداف البشرية وتنفيذ عمليات قتالية دون تدخل بشري مباشر، فيما شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن هذه الأنظمة تمثل مصدر قلق إنساني بالغ، لأنها لا تستطيع إدراك التعقيدات الإنسانية في ساحات القتال كما يفعل البشر.
كما حذرت مراكز بحثية من إمكانية انتقال هذه التقنيات إلى جهات غير حكومية وتنظيمات مسلحة، خصوصًا مع تزايد انتشار الأنظمة الذكية منخفضة التكلفة، ما قد يغير طبيعة النزاعات المسلحة في المستقبل.
ويطرح خيري وغيره من الخبراء سؤالًا جوهريًا يتجاوز الجانب التقني، ليصل إلى البعد الأخلاقي والاستراتيجي: من يتحمل المسؤولية إذا أخطأ نظام مستقل في تحديد هدفه؟ هل هو المبرمج، أم القائد العسكري، أم الشركة المصنعة، أم الدولة المستخدمة؟
وبين من يرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل عامل تعزيز هائل للقدرات العسكرية، ومن يعتبره مجرد أداة مساعدة لا تحسم نتائج الحروب بمفردها، يبقى الثابت أن الطائرات المسيّرة الذكية أصبحت في قلب التحولات العسكرية الحديثة، وأن "ذكاء الآلات الصغيرة" بدأ يعيد تشكيل كلفة الحرب وحدودها وقواعدها بشكل غير مسبوق.