أعادت الهجمات التي شهدها البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 رسم الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب، بعدما تحول من ممر تجاري حيوي يربط بين آسيا وأوروبا إلى إحدى أكثر نقاط التوتر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي وخلال أقل من ثلاث سنوات، لم تعد
تداعيات الأزمة تقتصر على تهديد حركة الملاحة الدولية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والعلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. ومع التفاهمات التي أُعلن عنها بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، عاد الجدل بشأن مستقبل المضيق وما
إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار نسبي أم أن الاتفاقات الحالية تمثل هدنة مؤقتة قد تسبق موجة جديدة من التصعيد.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية:
يعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس. ومنذ تصاعد الهجمات على السفن في أواخر عام 2023، شهدت حركة الملاحة الدولية اضطرابات غير مسبوقة
دفعت العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها.
وبحلول منتصف عام 2026، أشارت التقديرات إلى تراجع حركة العبور عبر باب المندب وقناة السويس بنسبة تراوحت بين 55 و60% مقارنة بمستويات ما قبل أكتوبر 2023. كما جرى تحويل أكثر من 4000 سفينة حاويات سنويًا إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما
أضاف ما بين 10 و14 يومًا إلى زمن الرحلات البحرية، ورفع تكاليف النقل والتأمين بصورة كبيرة. ووصلت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى نحو 1% من قيمة السفينة في عملية العبور الواحدة، فيما ظل مؤشر «دروي» العالمي للشحن أعلى بنحو 180% من متوسطاته التاريخية.
أهمية المضيق لإيران وإسرائيل:
تنظر إيران إلى باب المندب باعتباره أداة استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في المصالح الغربية والإسرائيلية دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. وتعتمد طهران على ما تصفه بمفهوم «الردع الجيو-اقتصادي»، أي استخدام التهديد للممرات البحرية
الحيوية كورقة ضغط في ملفات العقوبات والبرنامج النووي والصراعات الإقليمية.
وفي المقابل، تكبدت إسرائيل خسائر اقتصادية ملحوظة نتيجة الأزمة. فقد تعرض ميناء إيلات، المنفذ البحري الجنوبي الرئيسي للبلاد، لحالة شبه شلل بعد تراجع إيراداته من نحو 81 مليون دولار سنويًا إلى مستويات تقترب من الصفر مطلع عام 2026. كما ارتفعت
تكاليف استيراد السلع والسيارات القادمة من شرق آسيا بنسبة تتراوح بين 15 و20% بسبب اضطرار السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح.
استراتيجيات الأطراف المتصارعة:
اعتمدت إيران خلال السنوات الماضية على استراتيجية «الدفاع المتقدم» التي تقوم على نقل ساحات المواجهة بعيدًا عن أراضيها. وبعد اندلاع الحرب في غزة عام 2023، تعزز دور الحوثيين بوصفهم أحد أبرز الفاعلين القادرين على التأثير في حركة التجارة
العالمية من خلال استهداف الملاحة في البحر الأحمر.
ومع اندلاع الحرب الإيرانية الثانية في 28 فبراير 2026، صعّد مسؤولون إيرانيون من لهجتهم بشأن إمكانية إغلاق باب المندب بالتزامن مع مضيق هرمز. واعتبر مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي أن محور المقاومة يمتلك القدرة على التأثير في الممرين
البحريين معًا، فيما تحدث قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني عن إنشاء «حزام أمني جديد للمقاومة» يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
أما الولايات المتحدة، فقد حاولت مواجهة التهديد عبر مسارين مختلفين. الأول تمثل في عملية «حارس الازدهار» التي أطلقت أواخر عام 2023 بمشاركة نحو 20 دولة بهدف حماية الملاحة الدولية. ورغم نجاحها في اعتراض عدد من الهجمات، فإنها لم تتمكن من إنهاء التهديد بصورة كاملة.
وفي مارس 2025 أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية «رايدر الخشن»، التي استهدفت مواقع وقدرات عسكرية للحوثيين، إلا أنها لم تنجح في القضاء على قدراتهم الصاروخية بشكل حاسم، ما أبقى الأزمة مفتوحة.
أما إسرائيل فاعتمدت على الضربات العسكرية المباشرة داخل اليمن، مستهدفة منشآت عسكرية وبنى تحتية شملت موانئ ومحطات كهرباء ومطار صنعاء. غير أن هذه العمليات لم تنجح في وقف الهجمات الحوثية بشكل كامل، الأمر الذي أبقى التهديد قائمًا أمام الملاحة الإسرائيلية.
المتغيرات الراهنة في عام 2026:
شهد عام 2026 تطورات متسارعة بعد العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير، وما أعقبها من ردود إيرانية وتصعيد إقليمي واسع. وأعادت هذه التطورات طرح سيناريو «الخنق المزدوج» للاقتصاد العالمي من خلال التهديد المتزامن
لمضيقي هرمز وباب المندب.
وفي 8 يونيو 2026 أعلن الحوثيون فرض حظر ملاحي كامل على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، معتبرين أنها أهداف عسكرية مشروعة. كما ربطت الجماعة استمرار عملياتها بالحرب في غزة والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها وعلى حلفائها في المنطقة.
مفاوضات إسلام أباد ومستقبل التهدئة:
أعلنت إيران والولايات المتحدة في 15 يونيو 2026 عن تفاهمات جرت بوساطة قطرية في إسلام أباد، تهدف إلى خفض التصعيد ووقف العمليات العسكرية ورفع الحصار البحري عن إيران مقابل إعادة فتح مضيق هرمز.
غير أن نجاح هذه التفاهمات لا يزال مرتبطًا بمواقف القوى المتحالفة مع طهران، وفي مقدمتها الحوثيون، الذين يسعون إلى تضمين ملفات تتعلق بالعقوبات الدولية والتصنيف السياسي ضمن أي اتفاق أوسع يشمل محور المقاومة.
السيناريوهات المحتملة:
تتراوح التقديرات بشأن مستقبل باب المندب بين أربعة سيناريوهات رئيسية. الأول يتمثل في تصعيد إقليمي واسع يعيد تهديد الملاحة الدولية ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي. والثاني يقوم على تهدئة محدودة تقلل من مستوى المواجهة المباشرة مع استمرار التهديد الحوثي بصورة انتقائية.
أما السيناريو الثالث فيفترض التوصل إلى اتفاق هش بين واشنطن وطهران يترافق مع استمرار الصراعات بالوكالة في المنطقة، بينما يرتبط السيناريو الرابع بإمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي شامل ينعكس على ملفات اليمن وغزة والبحر الأحمر، ويؤدي إلى استقرار نسبي في حركة الملاحة الدولية.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبقى باب المندب أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل التوازنات الإقليمية، إذ لم يعد مجرد ممر تجاري دولي، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ما يجعل استقرار المنطقة مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى تسويات أكثر استدامة.