أعاد قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلغاء الترتيبات المرتبطة بصلاحيات التخطيط والبناء في الحرم الإبراهيمي والحي الاستيطاني بمدينة الخليل الجدل حول مستقبل الضفة الغربية، خصوصاً أن الخطوة جاءت في توقيت يواجه فيه ضغوطاً سياسية وقانونية متزايدة على الساحة الدولية.
فبينما تتصاعد الإجراءات الأوروبية ضد شخصيات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني، اختار سموتريتش الانتقال إلى الميدان وإطلاق خطوة حملت أبعاداً تتجاوز الجانب الإداري، لتلامس ملفات السيادة والاستيطان ومستقبل الاتفاقات التي نظمت وضع الخليل منذ أواخر التسعينيات.
توقيت يحمل رسائل سياسية:
جاء الإعلان خلال مراسم تدشين مستوطنة "دوران" جنوب جبل الخليل، حيث أعلن سموتريتش نقل صلاحيات التخطيط والبناء الخاصة بالحي الاستيطاني اليهودي والأماكن الدينية، بما فيها الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل إلى الدولة الإسرائيلية بصورة مباشرة.
ووصف الوزير الإسرائيلي الترتيبات السابقة بأنها من أكثر بنود اتفاق أوسلو "عبثية"، معتبراً أن الوقت حان لإنهائها.
رغم أن القرار يتعلق من الناحية الإجرائية بصلاحيات تنظيمية وتخطيطية، فإن توقيته منح الخطوة بعداً سياسياً واضحاً، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من فرض عقوبات أوروبية بحقه.
ضغوط غير مسبوقة:
في التاسع من يونيو/حزيران الجاري، أعلنت فرنسا منعه من دخول أراضيها ضمن إجراءات منسقة مع بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج.
شملت الإجراءات شخصيات ومنظمات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في سابقة تعد من أكثر التحركات الغربية مباشرة تجاه مسؤول إسرائيلي يتولى حقيبة وزارية.
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو برر القرار بدعم سموتريتش العلني لتوسيع الاستيطان والدعوة إلى ضم الضفة الغربية، إضافة إلى مواقفه المتعلقة بإعادة الاستيطان في قطاع غزة.
كما اعتبرت الدول الست أن النشاط الاستيطاني المتسارع والعنف المرتبط ببعض المستوطنين يقوضان فرص التسوية السياسية ويهددان حل الدولتين.
الخليل تتجاوز البعد الإداري:
لا ترتبط مدينة الخليل بملف التخطيط العمراني فقط، بل تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
تضم المدينة الحرم الإبراهيمي، إلى جانب عدد من البؤر الاستيطانية المقامة وسط أحياء فلسطينية مكتظة، ما يجعل أي تغيير في وضعها الإداري أو القانوني محاطاً بحساسية سياسية وأمنية كبيرة.
ويعود "بروتوكول الخليل" إلى يناير/كانون الثاني 1997، عندما وقعت إسرائيل والسلطة الفلسطينية اتفاق إعادة الانتشار في المدينة ضمن استكمال اتفاقيات أوسلو.
نص الاتفاق على تقسيم الخليل إلى منطقتين؛ الأولى "H1" وتخضع للسلطة الفلسطينية، والثانية "H2" التي تضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنات وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع ترتيبات خاصة بالخدمات والتخطيط والإدارة المدنية.
جزء من مشروع أوسع:
لا يخفي سموتريتش منذ سنوات دعمه لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية ورفضه إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وخلال السنوات الأخيرة دعا مراراً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المصنفة "ج"، معتبراً أن المشروع الاستيطاني يمثل جزءاً أساسياً من مستقبل إسرائيل.
عقب موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية العام الماضي، طرح ضم الضفة الغربية باعتباره الرد الإسرائيلي على تلك التحركات.
كما طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإعلان السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة، مؤكداً في أكثر من مناسبة أن إسرائيل لن تتخلى عن الخليل ونابلس.
ضغوط قانونية متزايدة:
بالتوازي مع العقوبات السياسية، يواجه سموتريتش تحديات قانونية على المستوى الدولي.
تحدثت تقارير إعلامية خلال مايو/أيار الماضي عن طلب سري تقدم به مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرة اعتقال بحقه.
ويتعلق الطلب باتهامات تشمل التهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية، ونقل مستوطنين إلى الأراضي المحتلة، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بالاضطهاد والفصل العنصري.
رغم عدم صدور تأكيد رسمي من المحكمة، فإن مكتب الادعاء لم ينفِ وجود هذه المساعي، مكتفياً بالإشارة إلى أن مثل هذه الإجراءات تبقى سرية وفق الأنظمة المعمول بها.
وفي حال صدور مذكرة اعتقال، سينضم سموتريتش إلى قائمة تضم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
مواجهة مفتوحة:
لا تبدو خطوة الخليل منفصلة عن الضغوط التي يتعرض لها الوزير الإسرائيلي، بل تأتي ضمن مسار يسعى من خلاله إلى إظهار تمسكه بمواقفه رغم العقوبات والانتقادات الدولية.
كما تحمل رسائل إلى قواعد اليمين القومي والديني داخل إسرائيل، التي تنظر إليه باعتباره أحد أبرز المدافعين عن مشروع توسيع الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وفي المقابل، تمنح الخطوة المجتمع الدولي مؤشراً إضافياً على اتساع الفجوة بين الرؤية الإسرائيلية الحالية والمواقف الغربية الرافضة للتوسع الاستيطاني.
بين العقوبات الأوروبية والتحركات الميدانية في الخليل، تتشكل ملامح مواجهة سياسية وقانونية مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة، في وقت يتجاوز فيه الجدل شخص سموتريتش ليطال مستقبل الضفة الغربية ومسار التسوية برمته.