تحرك تجاري إقليمي
يعكس قرار المملكة العربية السعودية استئناف الصادرات اللبنانية إلى أسواقها تطوراً اقتصادياً مهماً في المنطقة، من المتوقع أن تمتد تداعياته غير المباشرة إلى سوريا، التي تتمتع بموقع جغرافي يجعلها ممراً رئيسياً لحركة التجارة البرية نحو دول الخليج.
قرار سعودي جديد
وأعلنت الرياض في 10 حزيران/يونيو الجاري استئناف استقبال الصادرات اللبنانية، في خطوة قالت إنها تأتي نتيجة "إجراءات إيجابية" اتخذتها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء المؤسسات، إضافة إلى تعاون فني وتقديم تعهدات خلال الفترة الماضية.
وكانت المملكة قد أوقفت وارداتها من لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 2021 على خلفية أزمة دبلوماسية، كما سبق أن فرضت في نيسان/أبريل من العام نفسه حظراً على المنتجات الزراعية اللبنانية بسبب اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات.
أثر غير مباشر على سوريا
يرى خبراء أن القرار السعودي يحمل انعكاسات إيجابية غير مباشرة على الاقتصاد السوري، أبرزها زيادة حركة العبور عبر الأراضي السورية باعتبارها المسار البري الأساسي للصادرات اللبنانية باتجاه الخليج.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا المسار قد يحقق عوائد من رسوم الترانزيت والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تنشيط قطاعات النقل والطاقة والخدمات المصرفية في حال توسع حركة التجارة الإقليمية.
كما يعتبر عبور البضائع اللبنانية عبر سوريا عاملاً يعزز من صورة الاستقرار النسبي ويشجع على جذب استثمارات مستقبلية.
أسواق وتجارة متداخلة
قبل عام 2021، كانت السعودية من أبرز أسواق الصادرات اللبنانية، خصوصاً في القطاع الزراعي الذي شمل الحمضيات والتفاح والبطاطا والخس، إضافة إلى منتجات صناعية وغذائية مثل الشوكولاتة والصابون والأحبار.
ويرى الخبراء أن سوريا لم تستفد بشكل كامل من غياب المنتجات اللبنانية خلال فترة الحظر، نتيجة الفروقات النوعية في الإنتاج، إلى جانب القيود الاقتصادية والعقوبات التي حدّت من توسع صادراتها نحو الخليج.
وبحسب تقديرات الخبراء، فإن السوق السعودي لجأ إلى أسواق بديلة مثل الأردن ومصر وتركيا لسد الفجوة في الإمدادات.
فرص لوجستية محتملة
يشير محللون إلى أن استئناف التصدير اللبناني قد يدفع شركات لبنانية إلى توسيع نشاطها داخل سوريا عبر إنشاء مكاتب تمثيلية أو مستودعات لوجستية لتجميع البضائع.
كما قد يفتح المجال أمام مشاريع إقليمية أوسع، مثل إعادة تفعيل خطوط نقل الطاقة بين مصر والأردن ولبنان عبر الأراضي السورية، في حال توافر الظروف السياسية المناسبة.
قطاعات مرشحة للنمو
تتوقع بيانات أولية أن تشمل الصادرات السورية المحتملة إلى السوق السعودي المنتجات الزراعية، خصوصاً الحمضيات، إلى جانب سلع صناعية مثل الأدوية والمنسوجات ومواد البناء، إضافة إلى المنظفات والمواد الكيميائية.
لكن الخبراء يشيرون إلى غياب بيانات رسمية حديثة مستقرة تغطي الفترة الأخيرة بسبب استمرار مرحلة إعادة تشغيل مسارات التصدير.
سيناريوهات التكامل
يرى محللون أن مستقبل العلاقة الاقتصادية بين لبنان وسوريا قد يتجه نحو التكامل بدلاً من المنافسة، عبر سيناريوهين رئيسيين:
الأول يتمثل في التكامل الصناعي بين الجانبين، من خلال الاستفادة من المواد الخام السورية في الصناعات اللبنانية ذات العلامات التجارية القوية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على إنشاء منصات تصدير مشتركة، بحيث تُنقل المنتجات بين البلدين لإعادة تغليفها وتسويقها نحو الأسواق الخليجية بشكل موحد.
توصيات اقتصادية
قدم خبراء ثلاثة مقترحات رئيسية لصانع القرار في سوريا، تشمل السماح بمرور البضائع اللبنانية إلى الخليج عبر الأراضي السورية، وتطوير البنية اللوجستية في المعابر الحدودية، وتحويل سوريا إلى مركز خدمات عبور بدلاً من مجرد ممر تجاري.
كما دعوا إلى إنشاء منطقة تجارة حرة سورية–لبنانية مشتركة لدعم عمليات التجميع وإعادة التصدير، مستفيدين من انخفاض تكاليف التشغيل في سوريا مقابل الخبرات المالية والتسويقية في لبنان.
فرصة إقليمية مشروطة
رغم الطابع غير المباشر للانعكاسات الاقتصادية على سوريا، يرى خبراء أن استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية قد يفتح نافذة فرص مهمة لإعادة تموضع سوريا في خريطة التجارة الإقليمية، شرط توفر بيئة تنظيمية واستثمارية قادرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية فعلية.