تحوّل مشروع سياحي ضخم في ألبانيا، تقوده عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من استثمار عقاري مثير للجدل إلى قضية سياسية ودبلوماسية تتشابك فيها مصالح دولية وروايات متضاربة، لتشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وسط تصاعد الاحتجاجات وانتشار نظريات المؤامرة وحملات التضليل.
ووفقًا لتقرير نشره الصحافي دانيال أرزي على موقع "ماكو" الإسرائيلي، تشهد السواحل الألبانية المطلة على البحر الأدرياتيكي منذ أيام موجة احتجاجات واسعة ضد مشروع سياحي فاخر يقوده جاريد كوشنر، صهر ترامب، بمشاركة ابنته إيفانكا ترامب.
وبدأت القضية باعتبارها اعتراضًا محليًا على إنشاء منتجع سياحي ضخم، لكنها سرعان ما اتخذت أبعادًا دولية بعد تداول اتهامات تتعلق بـ"بيع البلاد لإسرائيل"، إلى جانب مزاعم حول خطط مزعومة لإعادة توطين فلسطينيين من قطاع غزة في منطقة البلقان، ما أدخل الملف في دائرة التوترات الإقليمية والدولية.
ويتركز الجدل حول مشروع استثماري بمليارات الدولارات تنفذه شركة "أفينيتي بارتنرز" التابعة لكوشنر، ويشمل تطوير محمية "فيوسا نارته" الطبيعية وجزيرة سازان، التي كانت في السابق قاعدة عسكرية مغلقة خلال الحقبة الشيوعية.
وكانت إيفانكا ترامب قد صرّحت في مقابلات سابقة بأنها تعرّفت إلى الجزيرة خلال رحلة بحرية مع أصدقاء، وهو تصريح أثار انتقادات في أوساط ألبانية اعتبرت الجزيرة جزءًا من الإرث الوطني، وليس موقعًا بكرًا ينتظر المستثمرين الأجانب.
ومنحت حكومة رئيس الوزراء إيدي راما المشروع صفة "المستثمر الاستراتيجي"، ما يتيح له الاستفادة من دعم حكومي للبنية التحتية وحوافز وإعفاءات ضريبية. ويرى راما أن المشروع يمثل فرصة استثنائية لتعزيز مكانة ألبانيا على خريطة السياحة الفاخرة عالميًا، مؤكدًا أن الاستثمار سيمضي قدمًا طالما بقي في منصبه.
في المقابل، تحذر منظمات بيئية، من بينها منظمة PPNEA، من أن المشروع قد يهدد واحدة من أهم المحميات الطبيعية الخاصة بالطيور المهاجرة في أوروبا، والتي تضم أكثر من 200 نوع، بينها طيور الفلامينغو والبجع الدلماسي النادر.
ويتهم المحتجون الحكومة بإجراء تعديلات تشريعية سريعة خلال فبراير/شباط 2024 أزالت الحماية القانونية عن بعض المناطق الطبيعية بهدف تسهيل تنفيذ المشروع، الأمر الذي دفع الجهات المختصة بمكافحة الفساد إلى فتح تحقيق بشأن قانونية تلك الإجراءات.
ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، لم تعد الاعتراضات مقتصرة على الجوانب البيئية، بل أخذت منحى سياسيًا وجيوسياسيًا، خاصة مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بسبب علاقاتها المتنامية مع حكومة راما.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت ألبانيا كواحدة من أكثر الدول الأوروبية تقاربًا مع إسرائيل، حيث أبرمت صفقات دفاعية بملايين الدولارات مع شركات إسرائيلية، من بينها "إلبيت سيستمز"، شملت شراء طائرات مسيّرة وأنظمة مدفعية ومعدات عسكرية متطورة.
كما أشار التقرير إلى أن ألبانيا كانت ضمن الدول التي وفرت كميات مهمة من الوقود للاقتصاد الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، وهو ما غذّى مزيدًا من الجدل داخل الأوساط المعارضة للمشروع.
وفي ظل هذا المناخ، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي روايات تزعم وجود اتفاق سري بين إيدي راما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بوساطة جاريد كوشنر، لإعادة توطين فلسطينيين من غزة في المناطق التي يشملها المشروع السياحي.
ورغم النفي القاطع من جانب راما، الذي وصف هذه المزاعم بأنها "خيالات محضة" و"أخبار كاذبة"، فإنها لاقت رواجًا بين بعض المحتجين الذين رفعوا شعارات تؤكد رفضهم لما يعتبرونه بيعًا للسيادة الوطنية.
وفي تطور لافت، اتهم راما إيران بالوقوف وراء ما وصفه بـ"حرب هجينة" تستهدف بلاده، من خلال تشغيل حسابات وهمية وشبكات إلكترونية تعمل على نشر محتوى معادٍ لإسرائيل وتأجيج الاحتجاجات وتحويلها من مطالب بيئية إلى أزمة سياسية.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق توتر طويل الأمد بين البلدين. فقد قطعت ألبانيا علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 2022 عقب هجوم إلكتروني استهدف مؤسسات حكومية ألبانية، واتهمت السلطات الألبانية طهران بالوقوف خلفه.
كما تستضيف ألبانيا عناصر من منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة، التي تصنفها طهران منظمة إرهابية، ما يجعل العلاقات بين الجانبين شديدة الحساسية.
وفي مارس/آذار الماضي، صوّت البرلمان الألباني لصالح اعتبار إيران دولة راعية للإرهاب وتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وهي خطوة حظيت بترحيب واسع من إسرائيل.
وتتبنى حكومة راما سياسة خارجية تقوم على تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة ودعم تشديد العقوبات على إيران، إلى جانب تسريع جهود انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.
أما الرد الإيراني فجاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، الذي سخر من الاتهامات الألبانية ووصفها بأنها غير منطقية، قائلًا إن الخطوة التالية قد تكون اتهام طيور الفلامينغو نفسها بالعمل لصالح الاستخبارات الإيرانية.
ورد راما بدوره بلهجة حادة، مؤكدًا أن بلاده تدرك جيدًا الجهات التي استهدفت بنيتها التحتية الرقمية في السابق، ومتهمًا طهران بمحاولة التغطية على سياساتها وممارساتها.
وشدد رئيس الوزراء الألباني على أن بلاده ستواصل حماية المعارضين الإيرانيين الذين حصلوا على حق اللجوء، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الألبان لن ينجروا إلى أي خطاب عدائي ضد اليهود أو العرب أو الأميركيين.
وهكذا، تحولت قضية محلية تتعلق بمشروع سياحي وعقاري إلى ساحة تتقاطع فيها ملفات البيئة والاستثمار والسياسة الدولية، في نموذج يعكس كيف يمكن لنزاع محلي محدود أن يتحول إلى مرآة لصراعات النفوذ والتحالفات المتشابكة على المستوى العالمي.