كيف نهضت درنة من تحت أنقاض الإعصار؟

2026.06.06 - 09:40
Facebook Share
طباعة

بعد نحو ثلاثة أعوام على إعصار "دانيال" الذي خلّف واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ ليبيا الحديث، بدأت مدينة درنة تستعيد تدريجياً ملامحها العمرانية والخدمية عبر مشاريع إعادة إعمار واسعة غيّرت وجه المدينة التي شهدت دماراً هائلاً وخسائر بشرية كبيرة في سبتمبر/أيلول 2023.

 

 

لا تزال ذكريات الكارثة حاضرة في أذهان سكان المدينة، بعدما تسببت الأمطار الغزيرة آنذاك في انهيار سدين قديمين فوق وادي درنة، ما أدى إلى اندفاع سيول جارفة اجتاحت الأحياء السكنية وألحقت دماراً واسع النطاق بالبنية التحتية والممتلكات.

 

 

خلال الساعات الأولى من الكارثة، ارتفع منسوب المياه إلى مستويات غير مسبوقة، مخلفاً آلاف الضحايا والمفقودين، إلى جانب نزوح عشرات الآلاف من السكان الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.

 

 

اليوم، تبدو المدينة مختلفة إلى حد كبير مقارنة بما كانت عليه عقب الإعصار، إذ تشهد ورش البناء نشاطاً متواصلاً في إطار خطة شملت قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والطرق والخدمات العامة.

 

 

تظهر ملامح التحول العمراني في مشاريع متعددة، من بينها إنشاء مستشفى جديد بسعة 600 سرير، وإعادة تأهيل عشرات المدارس، وبناء جامعة حديثة، إضافة إلى تطوير منشآت رياضية وخدمية جديدة.

 

 

امتدت أعمال التطوير إلى الواجهة البحرية، حيث أُنجز كورنيش حديث مزود بإجراءات حماية من العوامل المناخية، إلى جانب تنفيذ مشروعات للبنية التحتية شملت محطات لتحلية مياه البحر ومرافق خدمية أخرى.

 

 

شهدت المدينة إنشاء آلاف الوحدات السكنية المخصصة للمتضررين، مع تسليم جزء كبير منها للأسر التي فقدت منازلها خلال الفيضانات.

 

 

تشير معطيات محلية إلى بناء 3500 شقة سكنية، جرى تسليم نحو 2500 منها، فضلاً عن تشييد تسعة جسور جديدة، بينها عدة جسور تعبر مجرى الوادي الذي تحول إلى متنفس ومتنزه للسكان.

 

 

امتدت أعمال الصيانة والتطوير كذلك إلى الأحياء التي نجت من الدمار الكامل، حيث أُعيد تأهيل الطرق والأرصفة وشبكات الإنارة والخدمات الأساسية.

 

 

رغم حجم الإنجازات العمرانية، لا تزال الجراح الإنسانية حاضرة بقوة بين السكان الذين فقد كثير منهم أفراداً من عائلاتهم وأقاربهم خلال الكارثة.

 

 

يطالب عدد من الأهالي بإيلاء ملف الصحة النفسية اهتماماً أكبر، مؤكدين أن آثار الفاجعة لم تقتصر على الخسائر المادية، بل امتدت إلى تداعيات نفسية عميقة ما زالت تؤثر في آلاف الناجين.

 

 

تزامنت مشاريع البناء مع جهود رسمية لإعادة الحياة الاقتصادية إلى المدينة، مستفيدة من النشاط الواسع في قطاع التشييد وما وفره من فرص عمل للعمال والفنيين والمهندسين.

 

 

كشفت الكارثة عام 2023 حجم التدهور الذي أصاب البنية التحتية، خصوصاً السدين اللذين انهارا بعد عقود من الإهمال وضعف الصيانة، ما أثار حينها موجة غضب واسعة ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عن التقصير.

 

 

عقب أشهر من الفيضانات، أُنشئ صندوق خاص لإعادة إعمار المناطق المتضررة، خُصصت له مليارات الدولارات لتمويل المشاريع الإنشائية والخدمية في درنة ومحيطها.

 

 

بينما استعادت المدينة جزءاً كبيراً من حركتها الطبيعية، ما زالت ذكرى إعصار "دانيال" حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لسكانها، الذين يرون في النهضة العمرانية خطوة مهمة نحو التعافي، لكنها لا تمحو آثار المأساة التي غيّرت حياة آلاف العائلات إلى الأبد.

 

 

تبقى درنة مثالاً على قدرة المدن المنكوبة على النهوض مجدداً رغم حجم الخسائر، مستندة إلى جهود إعادة البناء وإصرار السكان على استعادة مدينتهم بعد واحدة من أكثر الكوارث إيلاماً في تاريخ ليبيا المعاصر.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9