كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن مؤشرات على تحول مهم في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، عقب تصريحات أدلى بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تحدث فيها عن توجه لإعادة صياغة أسس الشراكة بين البلدين، بما قد يؤدي إلى إنهاء نموذج المساعدات الأمنية المباشرة المعمول به منذ عقود.
وبحسب الصحيفة، فإن التصور المطروح يقوم على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين واشنطن وتل أبيب، ليحل تدريجياً محل آلية الدعم العسكري والمالي المباشر التي شكلت إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية.
تصريحات أثارت الجدل
وجاءت تصريحات هاكابي في معرض رده على انتقادات طرحها المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت، الذي اعتبر أن استمرار المساعدات الأمنية لإسرائيل لم يعد ينسجم بالضرورة مع أولويات المصالح القومية للولايات المتحدة.
وأثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، نظراً لما تحمله من دلالات تتعلق بإمكانية إعادة النظر في أحد أكثر ملفات التعاون الأمريكي الإسرائيلي حساسية.
غموض حول آلية التنفيذ
ورغم الحديث المتزايد عن هذا التوجه، لا تزال آليات تطبيقه غير محسومة بصورة نهائية، إذ لم تتضح بعد الكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها إنهاء المساعدات الحالية.
وتشير التقديرات إلى أن الخيارات المطروحة تتراوح بين تنفيذ عملية انتقال تدريجية تمتد لعدة سنوات، أو إنهاء برنامج المساعدات القائم مع انتهاء العمل بمذكرة التفاهم الأمنية الحالية، دون تمديدها بالشكل التقليدي المعهود.
جدل متصاعد في واشنطن
ويأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة مراجعات متزايدة لسياسات الدعم الخارجي، وسط تصاعد الجدل بشأن حجم المساعدات المقدمة لإسرائيل وطبيعتها، خاصة في أعقاب الحرب على غزة وما رافقها من انتقادات دولية واسعة للسياسات الإسرائيلية.
كما تتزايد داخل الكونغرس الأمريكي ودوائر صنع القرار دعوات لإعادة تقييم برامج المساعدات الخارجية بصورة عامة، وربطها بشكل أوثق بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية وتداعياتها السياسية والاقتصادية.
اتفاق جديد قيد الإعداد
في المقابل، تحدثت تقارير إسرائيلية عن تحركات مشتركة بين الجانبين لصياغة إطار جديد للتعاون الأمني، يتم العمل عليه بتوجيه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.
ووفقاً لهذه التقارير، تسعى إسرائيل إلى إنجاز التفاهم الجديد قبل دخول البلدين في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما يضمن الحفاظ على استقرار العلاقات الاستراتيجية بينهما خلال المرحلة القادمة.
نتنياهو ومرحلة ما بعد المساعدات
وكان نتنياهو قد أعلن في كانون الثاني/يناير 2026 أنه يتطلع إلى إنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال فترة تمتد لعشر سنوات، في موقف اعتبره مراقبون مؤشراً على استعداد إسرائيل لمناقشة نماذج جديدة من التعاون مع واشنطن.
وتحصل إسرائيل حالياً على نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين عام 2016، والتي بدأ تنفيذها في عام 2019 وتمتد حتى عام 2028.
تداعيات استراتيجية
ويرى مراقبون أن أي تعديل في منظومة المساعدات الأمريكية لإسرائيل سيمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً في مسار العلاقات الثنائية، نظراً إلى أن الدعم العسكري الأمريكي شكل لعقود أحد أبرز أعمدة الشراكة بين البلدين.
وتتابع المؤسسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية هذه التطورات باهتمام بالغ، في ظل التوقعات بأن تترك أي تغييرات محتملة آثاراً بعيدة المدى على الجوانب المالية والدفاعية والسياسية، فضلاً عن انعكاساتها على شكل العلاقة المستقبلية بين واشنطن وتل أبيب.
ومع استمرار النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل المساعدات الخارجية، تبقى الأنظار متجهة إلى طبيعة التفاهمات التي قد تتبلور خلال المرحلة المقبلة بين واشنطن وتل أبيب. وبين الحديث عن شراكة اقتصادية أوسع وإمكانية تقليص الدعم العسكري المباشر، تبدو العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التعاون الاستراتيجي بين الجانبين لسنوات طويلة قادمة.