سوق العمل يهتز عالميًا ولبنان في الصدارة

2026.05.24 - 08:57
Facebook Share
طباعة

أظهر تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية في أيار/مايو الجاري صورة بالغة القلق عن واقع سوق العمل في لبنان، في ظل تداعيات الحرب، حيث لا يقتصر التأثير على خسارة الوظائف فقط، بل يمتد ليشمل اضطرابًا واسعًا في مصادر الدخل والإنتاج والاستهلاك، بما يعكس هشاشة البنية الاقتصادية بشكل عام.

 

وبحسب التقرير، تم تصنيف القوى العاملة إلى ثلاث فئات وفق مستوى تأثرها بالحرب: مرتفع ومتوسط ومنخفض. وتُظهر النتائج أن 53% من العاملين في لبنان ينشطون في قطاعات شديدة التأثر، مقابل 14% في قطاعات متوسطة التأثر، و33% فقط في قطاعات منخفضة التأثر. وهذا يعني أن أكثر من نصف القوى العاملة مهددة مباشرة بانخفاض ساعات العمل، وتراجع الأجور، واحتمال فقدان الوظائف، إضافة إلى تعطل المؤسسات وتراجع الطلب على السلع والخدمات.

 

ويشير التقرير إلى أن هذه النسبة في لبنان تتجاوز المعدلات العربية والعالمية بشكل واضح، إذ تبلغ نسبة العمال الأكثر عرضة للتأثر 15% عالميًا و40% في العالم العربي، ما يضع لبنان ضمن أكثر الدول غير الخليجية تضررًا في المنطقة من حيث هشاشة سوق العمل.

 

ولا تقتصر المخاطر على الداخل اللبناني فقط، بل تمتد لتشمل العمال اللبنانيين في الخارج، خصوصًا في دول الخليج، حيث تشير التقديرات إلى أنه في حال التصعيد الشديد قد تنخفض ساعات العمل بنسبة 11.5%، فيما قد يتراجع التوظيف بنحو 7.1% في دول مجلس التعاون.

 

ويُقصد بالقطاعات “شديدة التأثر” تلك المرتبطة مباشرة بالنشاط الاقتصادي اليومي، مثل السياحة والفنادق والمطاعم والتجارة والنقل والترفيه والخدمات الصغيرة وبعض الأنشطة الصناعية والزراعية. هذه القطاعات تعتمد على الاستقرار والأمن وحركة الاستهلاك، وبالتالي تتأثر سريعًا بأي اضطراب يؤدي إلى تراجع الطلب وارتفاع كلفة التشغيل والتأمين، ما يهدد استمراريتها.

 

كما يكشف التقرير عن فجوة واضحة بين الجنسين، إذ يعمل 61% من الرجال في قطاعات عالية التأثر، مقابل 31% من النساء. في المقابل، تتوزع نسبة أكبر من النساء بين القطاعات المتوسطة والمنخفضة التأثر، مثل التعليم والإدارة والقطاع الصحي وبعض الوظائف المكتبية. إلا أن ذلك لا يعني تحسنًا في وضعهن الاقتصادي، نظرًا لانخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية، إضافة إلى الأعباء الأسرية المتزايدة عند فقدان الدخل.

 

ويحذر التقرير من أن العاملين في لبنان يواجهون مخاطر مركبة، نتيجة الحرب والدمار والنزوح من جهة، وصدمات اقتصادية إضافية محتملة من جهة أخرى، مثل ارتفاع الأسعار المرتبط بتوترات إقليمية. وتتمثل أبرز هذه المخاطر في تقليص الدخل، وتراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة.

 

ويؤكد التقرير أن الاقتصاد اللبناني يعاني أصلًا من هشاشة حادة في سوق العمل، واعتماد كبير على قطاعات تتضرر فورًا من أي صدمة أمنية أو سياسية، في ظل أزمة مالية ممتدة منذ سنوات وتراجع مستمر في الأجور وضعف الحماية الاجتماعية، ما يجعل أي تصعيد جديد عاملًا مضاعفًا للأزمة القائمة بدل أن يكون أزمة منفصلة.

 

كما يضيف أن تداخل تداعيات الحرب مع الانهيار المالي والاقتصادي القائم، وارتفاع معدلات الهجرة والنزوح، واتساع العمل غير النظامي، يضع الاقتصاد اللبناني أمام تحديات مركبة تشمل ارتفاع كلفة الاستيراد، وضعف الطلب الداخلي، وتراجع القدرة الإنتاجية في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة والبناء والخدمات والنقل.

 

ويشير التقرير أيضًا إلى أن تجربة الحرب السابقة في عام 2024 تعكس سرعة انتقال الصدمات إلى سوق العمل، حيث فقد نحو 24.7% من العاملين في القطاع الخاص وظائفهم، وتوقفت أكثر من 37% من المؤسسات عن العمل. كما أن الفئات الأكثر هشاشة، مثل العمال غير النظاميين واللاجئين والنازحين، كانت الأكثر تضررًا بسبب غياب أي حماية اجتماعية أو برامج دعم فعالة.

 

وفي المحصلة، فإن ارتفاع نسبة العاملين في قطاعات مهددة يعني احتمالية توسع موجات الصرف وإغلاق المؤسسات الصغيرة، وتراجع الاستهلاك المحلي، ما يقود إلى ركود اقتصادي أعمق. ومع تزايد القلق من فقدان الوظائف، يميل الأفراد إلى تقليص الإنفاق، ما يفاقم الانكماش الاقتصادي ويؤدي إلى مزيد من الإفلاسات.

 

كما ينعكس ذلك على اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع الإنتاجية، وهجرة الكفاءات، وتراجع فرص الشباب في سوق العمل. وفي نهاية المطاف، تؤدي هذه الحلقة إلى ارتفاع مستويات الفقر، وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية بدلًا من اقتصاد منتج ومستقر. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 3