من ناقلات النفط إلى كابلات الإنترنت.. هرمز يفتح جبهة جديدة

2026.05.15 - 12:44
Facebook Share
طباعة

تفتح التطورات المرتبطة بـ مضيق هرمز مساراً جديداً من الجدل العالمي يتجاوز النفط والغاز إلى البنية الرقمية الحساسة، بعدما برزت في إيران مقترحات تتحدث عن فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية الممتدة في قاع المضيق، في خطوة قد تنقل مفهوم السيطرة من ناقلات النفط إلى مسارات البيانات العالمية.

 

بدأت القضية عبر طرح تداولته وسائل إعلام إيرانية مقربة من الحرس الثوري، وفي مقدمتها وكالة "تسنيم"، التي دعت إلى تحقيق عائدات من كابلات الإنترنت البحرية العابرة للمضيق، معتبرة أن بنية تحتية رقمية ضخمة تمر قرب المياه الإيرانية دون أن تحقق طهران أي استفادة مباشرة منها.

 

وبحسب ما جرى تداوله، فإن كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع المضيق ترتبط بمعاملات مالية رقمية تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار يومياً، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد العالمي على هذه الشبكات غير المرئية.

 

لا تتوقف الأهمية عند قيمة المعاملات فقط، إذ تشير المعطيات إلى أن ما يقارب 20% من إجمالي حركة الإنترنت العالمية يمر عبر هذه المسارات البحرية، ما يحول المضيق من نقطة عبور للطاقة إلى نقطة عبور رقمية عالمية.

 

ووفق المعطيات المتداولة، فإن سبعة كابلات رئيسية للألياف الضوئية تمر في هذا الممر البحري، من بينها AAE-1 وFalcon، وهي شبكات تربط الهند وجنوب شرق آسيا بأوروبا مروراً بدول الخليج ومصر.

 

وتقترح الجهات التي تبنت الفكرة فرض تصاريح تشغيل ورسوم عبور وتجديدات سنوية على الشركات المشغلة لهذه الكابلات أو الجهات الكبرى المستفيدة منها.

 

تكمن خطورة الطرح في أنه ينقل مفهوم "نقطة الاختناق" من مجال الطاقة إلى فضاء البيانات. فمضيق هرمز ظل لعقود عنواناً لأمن النفط وأسواق الطاقة العالمية، حيث يؤدي أي اضطراب فيه إلى تأثيرات مباشرة على أسعار الخام والشحن والتأمين والتضخم العالمي.

 

أما اليوم، فتبدو الرسالة مختلفة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن القيمة الاستراتيجية لا تكمن فقط في السفن التي تعبر فوق سطح المياه، بل أيضاً في الألياف الضوئية الممتدة في الأعماق، والتي تحمل مليارات العمليات الرقمية والاتصالات والخدمات اليومية.

 

وتشير تقديرات إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة قد تكون ضمن دائرة التأثر أو الاستهداف السياسي والاقتصادي، ليس بصفتها شركات اتصالات فقط، بل لكونها من أكبر المستثمرين والمستخدمين لشبكات الكابلات البحرية حول العالم، ومن بينها شركات كبرى في مجالات التكنولوجيا والخدمات السحابية والمنصات الرقمية.

 

وفي حال انتقل الطرح من مستوى النقاش إلى إجراءات عملية، فإن الأمر قد يحول المضيق إلى ما يشبه "نقطة اختناق رقمية"، سواء عبر فرض رسوم أو تنظيمات إضافية أو حتى التلويح بتعطيل بعض الخطوط الحساسة.

 

لكن من الناحية القانونية، تبدو المسألة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه سياسياً.

 

فالقانون الدولي للبحار لا يمنح الدول الساحلية حرية مطلقة في التحكم بالكابلات البحرية لمجرد مرورها قرب مياهها.

 

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على ضمان حرية مد الكابلات البحرية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة، مع احترام حقوق الدول الساحلية المتعلقة بالموارد الطبيعية والبيئة والسلامة.

 

كما يميز القانون بين الكابلات التي تدخل المياه الإقليمية للدولة، حيث يمكن فرض شروط تنظيمية، والكابلات العابرة في مناطق بحرية أوسع تتمتع فيها الشركات بحرية قانونية أكبر فيما يتعلق بالتمديد والصيانة.

 

لهذا السبب، يرى متابعون أن قوة الطرح الإيراني ليست قانونية بقدر ما هي جيوسياسية.

 

فحتى إذا بدا فرض رسوم مباشرة على شركات التكنولوجيا الكبرى أمراً معقداً من الناحية القانونية، فإن مجرد التلويح بإمكانية تعطيل أو استهداف الكابلات يرفع تلقائياً كلفة المخاطر.

 

وتُعد الكابلات البحرية العمود الفقري لشبكة الإنترنت العالمية، وأي تعطيل متزامن في ممر ضيق مثل هرمز قد يؤثر على المصارف العالمية ومراكز البيانات ومنصات التداول المالي والخدمات السحابية وشبكات الاتصال في الخليج وخارجه.

 

من الزاوية الإيرانية، يُنظر إلى هذا الطرح باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط وتفاوض.

 

ففي ظل العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية، تبدو طهران حريصة على البحث عن أدوات غير تقليدية للردع أو تحصيل المكاسب.

 

وتدرك إيران أن إغلاق معبر نفطي بالكامل يحمل مخاطر عالية وقد يجر إلى ردود عسكرية مباشرة، بينما يشكل التلويح بالبنية الرقمية منطقة رمادية أقل كلفة سياسياً وأكثر تأثيراً.

 

ويرى مراقبون أن الرسالة الإيرانية تبدو موجهة في الوقت نفسه إلى الولايات المتحدة ودول الخليج وشركات التكنولوجيا العالمية.

 

أما على المستوى الدولي، فقد تظهر تداعيات هذه المقترحات على ثلاثة مستويات رئيسية.

 

أولاً: ارتفاع كلفة التأمين والحماية والصيانة للكابلات البحرية في الخليج.

 

ثانياً: دفع الشركات العالمية نحو تسريع البحث عن مسارات رقمية بديلة، على غرار ما حدث سابقاً في قطاع الطاقة مع خطوط الأنابيب البديلة.

 

ثالثاً: تسريع عسكرة قاع البحار، بعدما أصبحت البنية التحتية الرقمية جزءاً من حسابات النفوذ والصراع بين الدول.

 

في المحصلة، قد لا تتمكن إيران بسهولة من تحويل هرمز إلى بوابة رسوم لشبكة الإنترنت العالمية، لكنها نجحت في إعادة تسليط الضوء على هشاشة نقطة أساسية في الاقتصاد الحديث؛ فكما يعتمد أمن الطاقة على ممرات ضيقة، بات الاقتصاد الرقمي أيضاً مرتبطاً بمسارات مادية محدودة يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط في لحظات التوتر والصراع الدولي.
 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5

اقرأ أيضاً