فرنسا تتحرك لإنقاذ “النهضة النووية”

2026.05.13 - 18:36
Facebook Share
طباعة

يمثل عام 2038 الإطار الزمني الذي حددته فرنسا لتشغيل أول مفاعل نووي جديد من طراز “EPR2” في منطقة بينلي شمال البلاد، ضمن مشروع “النهضة النووية” الذي تتبناه باريس لإعادة صياغة مستقبل الطاقة الوطنية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون.

 

لكن مسار هذا المشروع لا يبدو محسومًا حتى ذلك التاريخ، إذ يُتوقع أن تتحدد ملامحه الحاسمة خلال عام 2026، مع اقتراب موعد اتخاذ القرار الاستثماري النهائي من قبل شركة الكهرباء الفرنسية EDF والحكومة، وهو القرار الذي يُنظر إليه باعتباره نقطة انعطاف أساسية قد تضمن استمرار المشروع وفق الجدول المخطط له أو تدفعه نحو تعثر واسع النطاق.

 

ويحذر مراقبون من أن أي تأخير في هذا القرار قد ينعكس مباشرة على كامل الجدول الزمني للمفاعلات الجديدة، في ظل تداخل تحديات مالية وتقنية وإدارية، إلى جانب ضغوط تنظيمية متزايدة على المستوى الأوروبي.

 

وبحسب صحيفة “لا تريبين” الفرنسية، رفعت شركة EDF تقديرات التكلفة الإجمالية للمشروع مع نهاية عام 2025 إلى نحو 72.8 مليار يورو، بزيادة تقارب 8% مقارنة بالتقديرات السابقة، موضحة أن هذا الارتفاع مرتبط بزيادة مخصصات المخاطر والتكاليف الاحتياطية. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام محل نقاش داخل الجهات الحكومية المعنية بمتابعة البرنامج النووي الجديد، والذي أُنشئ عام 2022 لمراقبة تقدم المشروع وتقييمه بشكل دوري.

 

وخضع البرنامج خلال الفترة من يناير إلى مارس لمراجعة تقنية مستقلة، في وقت تتواصل فيه المشاورات بين EDF والجهات الحكومية، بالتوازي مع مراجعة ثالثة يقودها مجلس مستقل يضم خبراء ومسؤولين سابقين من القطاع الصناعي الفرنسي. ومن المقرر عقد سلسلة اجتماعات تقنية خلال مايو، تليها جلسات موسعة في يونيو، قبل تقديم التقرير النهائي مطلع سبتمبر المقبل.

 

وعلى صعيد الحوكمة، يواجه المشروع تساؤلات متزايدة حول آليات الإدارة والتنظيم الداخلي، خاصة في ضوء تجربة مفاعل فلامانفيل الذي شهد تأخيرات تجاوزت 12 عامًا نتيجة بدء أعمال البناء قبل اكتمال الدراسات الهندسية اللازمة.

 

ولتفادي تكرار تلك التجربة، اعتمدت EDF هيكلًا تنظيميًا يفصل بين إدارة المشروع والإشراف التنفيذي التقني، غير أن الاتفاق التنظيمي النهائي بين الأطراف المعنية لم يُوقع حتى الآن، ما يثير مخاوف من وجود فجوة تنسيقية في مرحلة بالغة الحساسية.

 

كما تبرز تحديات إضافية تتعلق بمدى نضج التصاميم الهندسية للمفاعل الجديد، حيث تشير مصادر متابعة إلى أن الوصول إلى مستوى متقدم من الجاهزية خلال الصيف الحالي يُعد شرطًا أساسيًا لتجنب تأخيرات مماثلة لتلك التي شهدتها مشاريع سابقة.

 

وفي هذا الإطار، قررت EDF تأجيل صب الخرسانة الأولى في موقع بينلي إلى عام 2029، في خطوة توصف بأنها “إعادة ضبط مدروسة” تهدف إلى تقليل المخاطر في المراحل اللاحقة من التنفيذ.

 

وعلى مستوى القطاع الصناعي، تواجه الشركة صعوبة في إعادة بناء الثقة مع المقاولين والموردين بعد سنوات من التراجع في المشاريع النووية الكبرى داخل فرنسا. وحتى الآن، تم إسناد عقود الأعمال المدنية للمفاعلين الأولين فقط، بينما لا تزال عقود التجهيزات الكهروميكانيكية الأساسية قيد الحسم.

 

ويرى مسؤولون في قطاع الطاقة أن توقف المشاريع النووية الكبرى لعقود طويلة أدى إلى خلل في العلاقة بين EDF وشركائها الصناعيين، خصوصًا فيما يتعلق بطلب ضمانات مالية لمشروع لا يزال في مراحله الأولى. وتسعى الشركة إلى معالجة هذا الخلل عبر “ميثاق الأداء” الذي أطلقه المدير التنفيذي برنار فونتانا، بهدف إشراك الموردين بشكل مبكر في مراحل التصميم والتطوير.

 

وفي المقابل، تبقى العقبة الأكثر حساسية على المستوى الأوروبي، حيث تخضع خطط الدعم الحكومي الفرنسي لتدقيق المفوضية الأوروبية، التي ستحدد مدى توافق التمويل العام مع قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي، على أن يصدر القرار النهائي خلال فصل الخريف المقبل.

 

وتتابع باريس هذا الملف بحذر متزايد، في ظل التغيرات داخل هياكل الطاقة الأوروبية، وما قد تحمله من تشدد تنظيمي يؤثر على آليات تمويل المشروع.

 

وفي ظل هذه التعقيدات، يرى مراقبون أن مستقبل البرنامج النووي الفرنسي لن يُحسم داخل مواقع البناء وحدها، بل في دوائر القرار السياسي والتنظيمي الأوروبي، حيث تتقاطع اعتبارات الطاقة مع الاقتصاد والمنافسة والسياسات الصناعية داخل الاتحاد الأوروبي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


فرنسا مفاعل نووي

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4