من هرمز إلى آسيا… إيران تعيد تشكيل طرق التجارة

2026.05.12 - 17:07
Facebook Share
طباعة

تسعى إيران إلى إعادة رسم خريطة تجارتها الخارجية بعيداً عن المسارات البحرية التقليدية في الخليج، عبر الاعتماد بصورة متزايدة على شبكات النقل البرية والسكك الحديدية التي تربطها بـ باكستان وروسيا وتركيا ودول آسيا الوسطى، في محاولة لتخفيف آثار القيود الأميركية المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز.

 

الضغوط الأميركية على حركة الشحن دفعت تكاليف التأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع قدرة السفن التجارية على الوصول إلى الموانئ الإيرانية بصورة طبيعية رغم ذلك، تمتلك طهران هامشاً للمناورة بفضل بنية لوجستية جرى تطويرها خلال عقود من العقوبات.

 

تقديرات غير رسمية تشير إلى امتلاك إيران نحو 170 مليون برميل نفط مخزنة على متن ناقلات في عرض البحر بعيداً عن مناطق التوتر في خليج عُمان، وهو ما يمنحها قدرة على مواصلة التصدير لعدة أشهر رغم القيود المفروضة على الملاحة.

 

هذا المخزون الاستراتيجي وفر لطهران وقتاً لإعادة توجيه تجارتها نحو اليابسة، حيث تحولت الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية إلى بديل متنامٍ للموانئ البحرية والممرات الخاضعة للرقابة الأميركية.

 

برزت باكستان كأحد أهم المنافذ البرية الجديدة لإيران بعدما أصدرت وزارة التجارة الباكستانية في 25 أبريل/نيسان 2026 قرار “أمر عبور البضائع”، الذي يسمح رسمياً بنقل بضائع دول أخرى عبر الأراضي الباكستانية باتجاه إيران.

 

جاء القرار عقب أزمة كبيرة في ميناء كراتشي، حيث تعطلت أكثر من 3000 حاوية مخصصة لإيران نتيجة توقف حركة السفن وارتفاع أقساط التأمين ضد أخطار الحرب من 0.12% إلى 5%، ما جعل الشحن البحري عبر الخليج شبه مستحيل اقتصادياً.

 

في إطار الترتيبات الجديدة، فتحت إسلام آباد ستة ممرات برية تربط موانئ كراتشي وبورت قاسم وجوادار بالمعابر الحدودية الإيرانية، خصوصاً معبري غبد وتفتان.

 

يُعد ممر “جوادار – غبد” الأكثر كفاءة، إذ يختصر زمن الرحلة إلى ما بين ساعتين وثلاث ساعات فقط، مع خفض تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 55% مقارنة بالمسارات التقليدية.

 

الأبعاد الجيوسياسية للممر الباكستاني تتجاوز التجارة الثنائية، لأنه يستبعد البضائع الهندية بالكامل نتيجة الحظر القائم منذ مايو/أيار 2025، كما يسمح لباكستان بتجاوز أفغانستان في تجارتها المتجهة غرباً، ما يقلص طموحات كابل في التحول إلى مركز ترانزيت إقليمي.

 

كذلك يمنح المشروع الصين منفذاً إضافياً لدعم شبكات التجارة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، خصوصاً عبر ميناء جوادار المطل على بحر العرب.

 

في الشمال، تعتمد إيران بصورة متزايدة على مشروع الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب “INSTC”، الذي يربط روسيا بإيران عبر بحر قزوين وشبكات السكك الحديدية والطرق البرية.

 

يُعد المشروع أحد أبرز رهانات روسيا لتجاوز القيود الغربية وإعادة تشكيل طرق التجارة بعيداً عن أوروبا والممرات البحرية الخاضعة للنفوذ الأميركي.

 

البضائع تنتقل من الموانئ الروسية الجنوبية عبر بحر قزوين إلى الموانئ الإيرانية الشمالية، خصوصاً ميناء بندر أنزلي، قبل نقلها بالشاحنات والقطارات نحو الخليج وآسيا.

 

ترى موسكو أن تطوير هذا الممر يفتح سلاسل توريد جديدة من الشمال إلى الجنوب، بينما تنظر إليه طهران كوسيلة لتحويل موقعها الجغرافي إلى مركز عبور إقليمي يربط روسيا وآسيا الوسطى والهند بالشرق الأوسط.

 

كما يمنح المشروع إيران ورقة قوة تفاوضية، لأن استقرار طرق النقل بات مرتبطاً بمصالح اقتصادية لدول كبرى مثل روسيا والهند.

 

رغم الأهمية الاستراتيجية للممر، واجه المشروع خلال السنوات الماضية عراقيل مرتبطة بالعقوبات والخلافات الإقليمية والأزمات الاقتصادية الإيرانية، إضافة إلى التوترات الأمنية.

 

اغتيال سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في مارس/آذار 2026 شكّل ضربة للمشروع، نظراً لدوره في التنسيق مع المسؤولين الروس بشأن تطوير ممر “INSTC”.

 

كان لاريجاني قد عقد عدة اجتماعات مع مسؤولين روس، آخرها في ديسمبر/كانون الأول 2025، لمناقشة مستقبل الممر وآليات تطويره.

 

رغم المخاوف الأمنية، واصلت موسكو دعم المشروع. وقلل مساعد الرئيس الروسي نيكولاي باتروشيف في مقابلة مع صحيفة “كوميرسانت” منتصف مارس/آذار الماضي من تأثير الحرب على البنية التحتية، متحدثاً عن خطط لتحصين المشاريع البحرية مستقبلاً.

 

أكد وزير النقل الروسي أندريه نيكيتين في نهاية مارس/آذار 2026 استمرار العمل بالمشروع فور استقرار الأوضاع الإقليمية.

 

قبل أيام، ترأس باتروشيف اجتماعاً في أستراخان بتكليف مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين لبحث الاستثمار في الموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية المرتبطة بالممر.

 

في الجبهة الغربية، تلعب تركيا دور المنفذ البري الرئيسي لإيران نحو الأسواق الأوروبية، حيث تستمر حركة الشحن عبر معابر أغري-غوربولاك وفان-كابيكوي وهكاري-إيسينديري رغم تشديد الإجراءات الأمنية.

 

رغم تعليق حركة المسافرين في بعض الفترات، حافظت أنقرة على تدفق البضائع والشاحنات التجارية، ما أبقى نافذة إيران البرية نحو أوروبا مفتوحة.

 

في المقابل، تتحرك دول الخليج لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز عبر توسيع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.

 

رفعت السعودية ضخ النفط عبر خط الشرق-الغرب إلى البحر الأحمر ليصل إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، بينما سرعت الإمارات العربية المتحدة عمليات التصدير عبر ميناء الفجيرة الواقع خارج المضيق.

 

عاد الحديث في قطر عن مشاريع أنابيب قديمة تربط الدوحة بتركيا عبر السعودية والأردن وسوريا أو عبر العراق.

 

في الوقت نفسه، يجري استبدال جزء من الشحن البحري للسلع غير النفطية بشبكات السكك الحديدية والشاحنات المتجهة نحو الموانئ العُمانية وموانئ البحر الأحمر.

 

تقارير دولية حذرت من أن تجاوز هرمز قد ينقل الضغط إلى ممرات أخرى مثل باب المندب، الذي يشهد بدوره تهديدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

التحولات الحالية تكشف أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة رسم شاملة لخرائط التجارة والطاقة، حيث لم تعد السيطرة البحرية وحدها العامل الحاسم في حركة الاقتصاد الإقليمي.

 

كما تؤكد الأزمة أن إيران تحاول تحويل الجغرافيا إلى أداة مواجهة استراتيجية، عبر بناء شبكة معقدة من الممرات البرية والتحالفات التجارية التي تقلل اعتمادها على الخليج والممرات البحرية الخاضعة للرقابة الأميركية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4

اقرأ أيضاً