يحلّ عيد العمال على موظفي القطاع العام في لبنان وسط ضغوط معيشية متفاقمة، مع استمرار الفجوة بين الوعود الحكومية والتنفيذ الفعلي. يتزايد الاحتقان في أوساط العاملين في الدولة، الذين باتوا يرون في التعهدات المتكررة مسارًا مؤجلًا لا يلامس واقعهم اليومي. وتحوّل مصطلح "كمّون" إلى توصيف ساخر لحالة عامة من الوعود غير المنجزة، يتداوله الموظفون في أحاديثهم اليومية اختصارًا لمسار طويل من الانتظار.
تكشف محادثة مقتضبة عبر "واتساب" بين موظفين، صباح 30 نيسان 2026، جانبًا من المزاج العام؛ سؤال عن نزول الرواتب، ثم استفسار عن الزيادة، يقابله جواب مقتضب: "على الوعد يا كمّون". خلف هذا الحوار القصير تتراكم سنوات من التراجع في القدرة الشرائية، وتآكل الأجور بفعل الانهيار المالي منذ 2019، من دون مسار تصحيحي مستدام يعيد التوازن.
في 16 شباط 2026، أقرّ مجلس الوزراء زيادة بنحو 300 ألف ليرة على سعر صفيحة البنزين لتمويل زيادات مقررة للعاملين في الدولة. ارتفع السعر إلى حدود 1,785,000 ليرة، مع تضخم حصة الضرائب والرسوم لتلامس نسبًا مرتفعة من الكلفة النهائية. نُفّذ القرار سريعًا، ودخلت الإيرادات حيّز التحصيل، لكن الزيادات الموعودة لم تُصرف، ما وسّع فجوة الثقة وأعاد
النقاش حول عدالة توزيع الأعباء، إذ طالت الكلفة مختلف الفئات من دون مردود مباشر على الرواتب.
يتزامن ذلك مع انتقادات طالت فكرة منح ستة رواتب إضافية عبر تمويل ضريبي، بينما يؤكد موظفون أن مطلبهم الأساسي لا ينحصر في حلول مؤقتة، بل في إعادة الرواتب إلى مستويات ما قبل 2019 أو إقرار آلية تصحيح دورية مرتبطة بمؤشرات الأسعار، بما يحفظ القيمة الفعلية للأجر ويحد من التآكل المستمر.
على مستوى السياسات، لم تُقرّ "المساعدة الاجتماعية" في جلسة حكومية أخيرة، كما لم تُرفع بدلات النقل، ما ضاعف الأعباء التشغيلية على العاملين، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة التنقل. وفي الميدان، سُجّلت احتكاكات خلال تحركات مطلبية للمعلمين، ما يعكس ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي مع تضاؤل هوامش التحمل.
نقابيًا، أعلنت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الإضراب يومي 6 و7 أيار 2026، بالتنسيق مع "تجمع روابط القطاع العام". يشمل الإضراب تعليق التدريس والامتحانات وسائر الأعمال الأكاديمية والإدارية، في خطوة تصعيدية للضغط باتجاه فتح الاعتمادات اللازمة لصرف مستحقات سبق إقرارها. ويأتي التحرك بعد تظاهرة واسعة نهاية كانون الثاني في بيروت أظهرت قدرة التعبئة والتأثير.
ماليًا، تربط الحكومة مسار الزيادات بإجراءات إيرادية، منها تعديلات على الضريبة على القيمة المضافة ورسوم المحروقات، ضمن ما تصفه بمسار تصحيحي بدأ عام 2021. إلا أن التأخر في الصرف بذريعة ضعف الجباية أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وطرح أسئلة حول كفاءة التحصيل وأولويات الإنفاق وآليات الحوكمة المالية.
تنظيميًا، برز انقسام داخل تمثيل موظفي الإدارة العامة بين هيئتين تتبنيان مواقف متباينة من الإضراب، ما يحدّ من فاعلية الضغط الجماعي. ينتظر أن يحسم القضاء مسألة الشرعية التمثيلية، وهو عامل مؤثر في مسار التحركات المقبلة وقدرتها على فرض وقائع تفاوضية.
اقتصاديًا، يستمر تدهور القدرة الشرائية بفعل تضخم مرتفع وتقلبات سعر الصرف، في غياب شبكة أمان فعّالة. وتنعكس الزيادات الضريبية على سلع وخدمات أساسية، ما يوسع دائرة المتأثرين ويضعف الاستهلاك المحلي. في المقابل، تتباطأ الإصلاحات البنيوية المطلوبة لإعادة هيكلة المالية العامة وتعزيز الإيرادات المستدامة بعيدًا عن الضرائب غير المباشرة.
سياسيًا، يضغط عامل الوقت مع اقتراب استحقاقات مالية وموازنية، بينما تتزايد كلفة التأجيل. وتبقى الخيارات أمام السلطة بين الاستمرار في إدارة الأزمة عبر إجراءات جزئية، أو الانتقال إلى حزمة قرارات متكاملة تشمل تصحيح الأجور، تحسين الجباية، وترشيد الإنفاق.
يرى مراقبون أن المشهد مفتوحًا على مسارين: تصعيد نقابي قد يشلّ مرافق حيوية، أو تسوية مرحلية تعيد جزءًا من الثقة وتخفف الاحتقان. وفي الحالتين، لم تعد الوعود كافية؛ المطلوب إجراءات قابلة للقياس والتنفيذ ضمن جدول زمني واضح يربط الإيرادات بالنفقات ويضع حدًا لدورة التأجيل المستمرة.