تراجع ديموغرافي متسارع في الصين يهدد استقرار الاقتصاد

2026.04.29 - 10:54
Facebook Share
طباعة

تواجه الصين تحولًا ديموغرافيًا متسارعًا، مع توقعات بانخفاض عدد السكان بنحو 60 مليون نسمة خلال العقد المقبل، وفق ما أوردته صحيفة South China Morning Post استنادًا إلى دراسة أجرتها شركة Rhodium Group.

 

هذا التراجع، الذي يوازي تقريبًا عدد سكان فرنسا، لا يقتصر على أرقام سكانية، بل يحمل تداعيات مباشرة على الاقتصاد، خاصة في ظل اعتماد الصين على قاعدة بشرية واسعة لدعم الإنتاج والاستهلاك.

 

يبلغ عدد سكان الصين حاليًا نحو 1.41 مليار نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان بعد الهند التي يتجاوز عدد سكانها 1.47 مليار نسمة. غير أن الاتجاه العام في الصين يسير نحو الانخفاض المستمر، إذ تسجل البلاد تراجعًا في عدد السكان للعام الرابع على التوالي.

 

يرتبط هذا التحول بشكل أساسي بانخفاض معدلات المواليد، حيث سُجل في عام 2025 نحو 7.92 مليون ولادة فقط، وهو أدنى مستوى تاريخي، مع تراجع بنسبة 17% مقارنة بعام 2024. هذا الانخفاض يعكس تغيرات عميقة في سلوك المجتمع، خاصة بين فئة الشباب، الذين باتوا يؤجلون تكوين الأسر بسبب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

ويمتد تأثير هذا التراجع إلى المناطق الساحلية، التي شكلت لعقود محرك النمو الاقتصادي، حيث يؤدي تقلص عدد السكان في هذه المناطق إلى انخفاض في الاستهلاك وتراجع في الإنتاجية، ما ينعكس على الأداء الاقتصادي العام.

 

تعود جذور الأزمة جزئيًا إلى إرث سياسة الطفل الواحد، التي طُبّقت بين عامي 1979 و2015، وأسهمت في تقليص معدلات الإنجاب على المدى الطويل. كما لعب التوسع الحضري السريع دورًا في تغيير أنماط الحياة، إلى جانب ارتفاع تكاليف التعليم والرعاية، ما زاد من عزوف الأسر عن الإنجاب.

 

تتفاقم الأزمة مع تسارع شيخوخة السكان، إذ بلغ عدد من تزيد أعمارهم عن 60 عامًا نحو 310 ملايين نسمة في عام 2024، أي ما يعادل 22% من إجمالي السكان، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 400 مليون نسمة بحلول عام 2035. هذا التحول يفرض ضغوطًا إضافية على سوق العمل وأنظمة الرعاية الاجتماعية.

 

في هذا السياق، تحذر أكاديمية العلوم الصينية من احتمال تعرض نظام المعاشات لضغوط كبيرة خلال العقود المقبلة، مع تقلص عدد السكان في سن العمل وارتفاع نسبة كبار السن. كما تشير التقديرات إلى أن عدد النساء في سن الإنجاب (15–49 عامًا) قد ينخفض بأكثر من الثلثين على المدى الطويل، ما يعمّق الأزمة الديموغرافية.

 

وعلى الصعيد العالمي، يتقاطع هذا الاتجاه مع نتائج دراسات الأمم المتحدة، التي تظهر أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية أصبحت من أبرز معوقات الإنجاب. فقد أشار 39% من المشاركين إلى الصعوبات المالية كعامل رئيسي، بينما ذكر 21% عدم استقرار العمل، و19% ارتفاع تكاليف السكن، إضافة إلى عوامل أخرى مثل الصحة والبيئة وعدم الاستقرار السياسي.

 

في مواجهة هذه التحديات، بدأت السلطات الصينية اتخاذ خطوات لتحفيز معدلات المواليد، من بينها إدراج موضوعات الزواج والأسرة ضمن المناهج الجامعية منذ ديسمبر 2024. غير أن هذه الإجراءات لا تزال محدودة التأثير، في ظل الحاجة إلى إصلاحات أوسع تشمل السياسات الاجتماعية والدعم الاقتصادي للأسر.

 

تُظهر هذه المؤشرات أن الصين تقف أمام مرحلة ديموغرافية دقيقة، حيث لم يعد التحدي مرتبطًا بالنمو السكاني، بل بكيفية إدارة التراجع، والحفاظ على التوازن بين الاقتصاد والبنية الاجتماعية في ظل تحولات عميقة ومتسارعة.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2