أنهت القوات الأمريكية وجودها العسكري المباشر في سوريا، عقب انسحاب آخر وحدات “التحالف الدولي” من قاعدة قسرك الواقعة شمال غربي محافظة الحسكة، في خطوة تُعد تتويجاً لمسار انسحابات متدرج استمر خلال الأشهر الماضية.
وبحسب معطيات ميدانية، تسلّمت وحدات من الجيش السوري القاعدة اليوم الخميس، بعد مغادرة آخر رتل تابع للتحالف الموقع صباحاً، عقب قيام القوات المنسحبة بإتلاف جزء من المعدات داخل القاعدة قبل الانسحاب. وكان رتل آخر قد غادر الموقع في وقت سابق، متجهاً عبر الأراضي السورية وصولاً إلى الحدود الأردنية.
ويُنظر إلى قاعدة قسرك باعتبارها آخر موقع عسكري للتحالف داخل سوريا، ما يجعل هذا الانسحاب بمثابة إنهاء فعلي للانتشار العسكري الأمريكي الذي بدأ عام 2014 في إطار العمليات ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.
هذا التطور لم يكن مفاجئاً، إذ سبقته خطوات ميدانية تمثلت في نقل تجهيزات عسكرية من القاعدة منذ شباط الماضي، في مؤشر على توجه لتقليص الوجود العسكري. وتزامن ذلك مع انسحابات من مواقع أخرى في محافظة الحسكة، حيث تسلّم الجيش السوري قواعد رئيسية مثل رميلان في الريف الشمالي الشرقي، والشدادي في الريف الجنوبي، ضمن ترتيبات تمت بالتنسيق مع الجانب الأمريكي.
كما شمل الانسحاب مواقع استراتيجية خارج الحسكة، من أبرزها قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، والتي كانت تُعد نقطة محورية في الانتشار العسكري، قبل أن تغادرها القوات باتجاه الأراضي الأردنية.
وتندرج هذه التحركات ضمن خطة أمريكية أُعلن عنها سابقاً، تقضي بسحب نحو ألف جندي من سوريا على مراحل، خلال فترة زمنية محددة، في إطار مراجعة شاملة لطبيعة المهمة العسكرية وأولويات الانتشار في المنطقة.
وفي موازاة الانسحاب، برز ملف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” كأحد العناصر المرتبطة بإعادة ترتيب الوجود العسكري، حيث جرى نقل عدد من المحتجزين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، ضمن تنسيق أمني بين واشنطن وبغداد. وشملت العمليات استخدام طائرات مروحية في مراحل أولى، قبل الانتقال إلى قوافل برية عبر المعابر الحدودية، في خطوة عكست توسع العملية وتنظيمها.
وكان احتجاز عناصر التنظيم وإدارة هذا الملف أحد أبرز مبررات استمرار الوجود العسكري الأمريكي خلال السنوات الماضية، إلى جانب دعم قوات محلية وملاحقة خلايا التنظيم.
تزامن الانسحاب مع تطورات سياسية لافتة، من بينها إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” خلال العام الماضي، ما أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين دمشق وواشنطن في ظل التحولات الميدانية.
وعلى مدى سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة على شبكة قواعد عسكرية منتشرة في شمال شرقي سوريا ومنطقة البادية، أدت أدواراً متعددة شملت العمليات العسكرية والدعم اللوجستي ومراقبة التحركات في مناطق واسعة. وشملت هذه الشبكة مواقع في مناطق حقول النفط والغاز، إضافة إلى قواعد قريبة من خطوط التماس والحدود.
ومع تراجع سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” والإعلان عن القضاء عليه ميدانياً في عام 2019، استمر الوجود العسكري الأمريكي لملاحقة خلايا متبقية ومنع عودة التنظيم، إلى جانب الحفاظ على توازنات ميدانية في المنطقة.
ومع إخلاء آخر قاعدة في الحسكة، تُختتم مرحلة استمرت أكثر من عقد من الوجود العسكري المباشر، في وقت تبقى فيه تداعيات هذا الانسحاب مفتوحة على احتمالات متعددة، سواء على الصعيد الأمني أو السياسي، خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بنشاط خلايا التنظيم في مناطق متفرقة.