دعا مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي السلطات في إيران إلى تسهيل وصول مفتشي الوكالة إلى مواقع اليورانيوم، مشيراً إلى ضرورة تنفيذ ذلك "عندما تسمح الظروف"، دون تحديد طبيعة هذه الظروف أو إطارها الزمني. تأتي الدعوة في سياق مساعٍ مستمرة لضمان الرقابة على الأنشطة النووية، في ظل تعقيدات سياسية وميدانية تحيط بالملف.
أكد غروسي في الوقت نفسه عدم وجود برنامج منهجي واضح لدى إيران لإنتاج سلاح نووي، وهو توصيف يحمل دلالة تقنية مهمة، إذ يفرق بين امتلاك قدرات متقدمة في التخصيب وبين وجود مشروع منظم ومتكامل لتصنيع سلاح. هذا التقييم يستند إلى معطيات الوكالة الرقابية، التي تعتمد على عمليات التفتيش والتحقق من الأنشطة النووية.
البرنامج النووي الإيراني ظل محور جدل دولي لعقود، مع استمرار الاتهامات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن نوايا عسكرية محتملة. في المقابل، تؤكد طهران أن أنشطتها النووية تندرج ضمن الاستخدامات السلمية، بما في ذلك توليد الطاقة والبحث العلمي.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى تعثر الاتفاق النووي المعروف بـ الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي أُبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى. الاتفاق فرض قيوداً على أنشطة التخصيب مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، وشكّل إطاراً للرقابة الدولية عبر الوكالة.
انسحاب واشنطن من الاتفاق عام 2018 أعاد فرض العقوبات، ما دفع إيران إلى تقليص التزاماتها تدريجياً، بما في ذلك رفع مستويات تخصيب اليورانيوم. منذ ذلك الحين، ارتفعت نسبة التخصيب إلى مستويات قريبة من العتبة اللازمة للاستخدام العسكري، ما زاد من القلق الدولي.
في موازاة ذلك، شهدت العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية توتراً متكرراً، خاصة مع تقليص نطاق وصول المفتشين إلى بعض المواقع. هذا التقييد حدّ من قدرة الوكالة على التحقق الكامل من الأنشطة، وأثار تساؤلات حول مستوى الشفافية.
تشكل دعوة غروسي لتسهيل وصول المفتشين خطوة أساسية في مسار إعادة بناء الثقة. نظام الرقابة الدولي يعتمد على الوصول المستمر إلى المواقع والمنشآت، إلى جانب مراقبة المواد النووية، ما يتيح تقييم طبيعة الأنشطة بدقة.
التقييم الذي يشير إلى غياب برنامج تسليحي منظم لا يلغي المخاوف، بل يضع الملف في منطقة وسطى بين التقدم التقني والقرار السياسي. امتلاك قدرات تخصيب عالية يظل عاملاً حساساً، خاصة في ظل غياب قيود ملزمة كما كان الحال في الاتفاق السابق.
تتداخل الأبعاد التقنية مع الحسابات السياسية، حيث يرتبط مستوى التعاون مع الوكالة بمسار التفاوض الدولي. أي تقدم في ملف التفتيش قد يفتح المجال أمام تحركات دبلوماسية أوسع، في حين أن استمرار القيود يفاقم حالة الجمود.
في ظل المعطيات الحالية، يبقى ملف الرقابة والتفتيش أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية محتملة. توفير بيئة تسمح بعمل المفتشين دون قيود يشكل خطوة ضرورية لخفض التوتر، ويمهد لإعادة إطلاق مسارات تفاوضية.
المرحلة المقبلة ستتحدد وفق مدى استعداد الأطراف للانخراط في خطوات عملية تعزز الشفافية، وتعيد بناء الثقة بين إيران والوكالة، في إطار توازن بين الاعتبارات السيادية والمتطلبات الدولية.