سوريا تعيد هيكلة قطاعاتها.. هل بدأت مرحلة "الدولة التاجر"؟

2026.04.14 - 09:22
Facebook Share
طباعة

بموجب حزمة من المراسيم الرئاسية، اتجهت السلطة السورية الجديدة إلى إعادة هيكلة عدد من القطاعات الحيوية ذات الطابع السيادي والاستراتيجي، عبر تحويل مؤسسات ومرافق عامة كانت تُدار بوصفها خدمات سيادية مباشرة إلى شركات ذات طابع اقتصادي واستثماري.

وفي السادس من نيسان/أبريل 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم متتالية حملت الأرقام (44 و45 و46)، نصّت على تحويل قطاعات التعدين والكهرباء والمياه من “مرافق خدمية” إلى “شركات” تتمتع باستقلال مالي وإداري، وترتبط تنظيمياً بوزارة الطاقة.

وتُقدَّم هذه الخطوة رسمياً ضمن إطار تطوير الأداء الاقتصادي وتعزيز مبادئ الحوكمة وجذب الاستثمار، إلا أنها تثير في المقابل نقاشات قانونية واقتصادية حول مدى جواز إحداث تغييرات بنيوية تمس أصول الدولة وقطاعاتها السيادية في مرحلة انتقالية لم تستكمل بعد بنيتها المؤسسية والتشريعية، إضافة إلى مخاوف متصاعدة بشأن انعكاس ذلك على منظومة الدعم الاجتماعي في بلد يعاني من تراجع حاد في القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.

من “مرافق عامة” إلى “شركات اقتصادية”

لم تقتصر المراسيم الثلاثة على تعديل إداري، بل أسست لكيانات جديدة حلت محل مؤسسات قائمة منذ سنوات طويلة، أبرزها:

الشركة السورية للتعدين (SMC): حلت محل المؤسسة العامة للفوسفات والمناجم، إلى جانب مديريات ومرافق تابعة للمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، لتتولى استثمار الخامات وتسويقها ضمن إطار اقتصادي موحد.
الشركة السورية للكهرباء (SEC): حلت محل المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، إضافة إلى الشركات التابعة لهما، بهدف توحيد إدارة قطاع الكهرباء ضمن كيان مركزي واحد.
المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي: أُعيد تنظيمها ككيان ذي طابع اقتصادي يتمتع باستقلال مالي وإداري، مع إنشاء شركات على مستوى المحافظات لتحل محل البنية السابقة للمؤسسات العامة.

ويشير هذا التحول، وفق قراءات اقتصادية، إلى انتقال تدريجي من نموذج “المرفق العام” الذي يقوم على تقديم الخدمة كحق أساسي، إلى نموذج “الشركة” الذي تُدار فيه القطاعات وفق اعتبارات الكفاءة والعائد والاستدامة المالية، وهو ما يعكس تغييراً في فلسفة إدارة الخدمات العامة.

ويأتي هذا المسار امتداداً لخطوات سابقة، من بينها المرسوم رقم (189) لعام 2025 الذي أنشأ “الشركة السورية للبترول (SPC)” كشركة قابضة ذات طابع اقتصادي، لتحل محل المؤسسة العامة للنفط ومؤسسة التكرير وشركاتهما التابعة.

كما شملت إعادة الهيكلة قطاع النقل الجوي عبر المرسوم رقم (214) لعام 2025 الذي أحدث “الشركة السورية القابضة للطيران” بدلاً من مؤسسة الخطوط الجوية السورية، مع منحها استقلالاً مالياً وإدارياً.

ويعكس تكرار هذه المراسيم اتجاهاً واضحاً نحو تقليص نموذج القطاع العام التقليدي، لصالح كيانات تُدار بمنطق استثماري أقرب إلى القطاع الخاص، ما يمهد لإعادة صياغة أوسع لدور الدولة في إدارة أصولها.

الاستقلال المالي وإشكالية الدعم

يُعد مبدأ “الاستقلال المالي” أحد أبرز ملامح هذا التحول، إذ يشير الخبير الاقتصادي محمد أحمد إلى أن الكيانات الجديدة أصبحت “وحدات محاسبية مستقلة تمتلك موازناتها الخاصة وتعتمد على الإيرادات الذاتية والقروض والمنح، إضافة إلى مساهمات الدولة عند الحاجة، بدلاً من التمويل المباشر من الخزينة العامة”.

ويضيف أن هذا النموذج يمنح الشركات مرونة في اتخاذ القرار وتوسيع الشراكات والاستثمار، لكنه في المقابل يفرض عليها تحقيق توازن مالي قد ينعكس على مستوى الأسعار والتعرفة في القطاعات الخدمية.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد علبي أن هذا التحول ينقل القطاعات من منطق الخدمة العامة إلى منطق اقتصادي تجاري تُقاس فيه الكفاءة بالعائد والاستدامة، وليس فقط بتقديم الخدمة.

ويحذّر علبي من أن هذا المسار، حتى مع الإبقاء على الدعم الحكومي نظرياً، غالباً ما يؤدي تدريجياً إلى تقليص الدعم، خصوصاً عندما تتجه الشركات إلى تغطية التكاليف عبر رفع التعرفة، في ظل أوضاع اقتصادية هشّة وبداية تشغيلية تعاني من خسائر تراكمية.

في المقابل، يشير محمد أحمد إلى أن سياسات الدعم لا تُحسم ضمن نصوص التأسيس، بل تُترك للتنفيذ اللاحق وفق قرارات الحكومة والسياسات المالية العامة.

أما من منظور حقوقي، فيرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن الإشكالية الأساسية تكمن في التوتر بين منطق الربحية ومتطلبات الحقوق الأساسية، إذ قد يؤدي ربط الخدمات الحيوية بمعايير الربح إلى رفع كلفتها على المواطنين، بما يمس حقوقاً أساسية مثل المياه ومستوى المعيشة.

ويقترح عبد الغني اعتماد نموذج دعم اجتماعي مباشر يستهدف الفئات الأكثر هشاشة بدلاً من إدراج الدعم ضمن التعرفة، بما يضمن استمرار الوصول إلى الخدمات الأساسية بغض النظر عن القدرة على الدفع.

“خصخصة غير مباشرة” تحت الملكية العامة

ورغم تأكيد المراسيم أن ملكية الدولة لهذه الشركات ستبقى قائمة، مع عدم جواز طرحها للاكتتاب العام إلا بقانون، إلا أنها تتيح لهذه الكيانات إبرام عقود استثمار وشراكات مع القطاع الخاص.

ويؤكد محمد أحمد أن هذه المراسيم لا تتضمن نصوصاً صريحة حول الخصخصة، بل تنظم العلاقة مع القطاع الخاص عبر الشراكات والعقود.

في المقابل، يرى علبي أن السماح بإدارة وتشغيل قطاعات استراتيجية عبر عقود طويلة الأمد مع شركات خاصة يمثل “خصخصة جزئية من حيث الأثر العملي”، حتى دون إعلان رسمي للخصخصة، محذراً من أن ذلك قد يطال قطاعات سيادية مثل المياه والكهرباء.

الإطار القانوني وغياب المرجعية الواضحة

يثير هذا التحول تساؤلات حول الإطار القانوني الناظم لتعاقدات هذه الشركات، ولا سيما مدى خضوعها لقانون العقود رقم (51) لعام 2004، الذي لا يزال المرجع الأساسي لتنظيم العقود في القطاع العام.

وتشير المراسيم إلى تحويل المؤسسات إلى “شركات ذات طابع اقتصادي” دون نص صريح يحدد بشكل واضح خضوعها لهذا القانون، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، ويضعها في منطقة تنظيمية رمادية بين قواعد القانون العام ومنطق الشركات التجارية.

وفي هذا السياق، يحذر فضل عبد الغني من أن هذا الغموض قد يخلق بيئة قانونية غير واضحة، ما يزيد مخاطر الفساد في عمليات التعاقد، مستشهداً بتجارب دول ما بعد النزاعات التي شهدت اختلالات واسعة في عقود إعادة الإعمار نتيجة ضعف الأطر الرقابية.

ويشدد على ضرورة إخضاع هذه الشركات بشكل صريح لقانون المشتريات العامة أو أي إطار رقابي مماثل، طالما أن ملكيتها تبقى للدولة.

وزارة الطاقة وإشكالية تضارب الأدوار

ترتبط الشركات الجديدة بوزارة الطاقة التي أُنشئت بعد دمج وزارات الكهرباء والنفط والموارد المائية، ما أدى إلى نشوء علاقة مؤسسية مركبة بين جهة تنظيمية ومالكة في الوقت نفسه.

ويرى خبراء أن هذا النموذج، رغم انتشاره في بعض التجارب الانتقالية، يثير إشكالية “تضارب المصالح”، إذ تجمع الجهة ذاتها بين دور التنظيم والملكية والتوجيه.

ويحذر عبد الغني من أن هذا الدمج قد يؤدي إلى احتكار حكومي بطابع تجاري، في ظل غياب المنافسة وضعف الرقابة البرلمانية.

إطار أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد

تندرج هذه المراسيم ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري خلال المرحلة الانتقالية، شمل خلال عام 2025 إصدار قرارات بإنشاء هيئات جديدة ذات صلاحيات موسعة وإعادة تنظيم قطاعات استراتيجية، بينها المعابر والحدود، إضافة إلى التوجه نحو تحويل شركات عامة إلى كيانات قابضة.

ويرى مراقبون أن هذا المسار يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج الدولة الخدمية إلى نموذج الدولة الاقتصادية، مع إعادة تعريف دور المؤسسات العامة.

جدل حول الاستمرارية والشرعية

لا ينفصل هذا التحول عن محاولات سابقة في أواخر عهد النظام السابق، حين جرى إقرار قوانين تمهيدية لتحويل مؤسسات عامة إلى شركات قابضة ومساهمة.

وبحسب خبراء، فإن السلطة الحالية تبني على هذا الأساس وتوسّعه، مع اختلاف في الأهداف المعلنة بين تحسين الكفاءة الاقتصادية وتوسيع الاستثمار، مقابل ما يُنظر إليه كمخاوف تتعلق بالشفافية والرقابة في ظل مرحلة انتقالية غير مكتملة الأطر الدستورية.


يتفق خبراء اقتصاديون وقانونيون على أن نموذج القطاع العام التقليدي يعاني من اختلالات بنيوية، إلا أن الخلاف يتمحور حول كيفية الانتقال منه.

فبينما يرى البعض أن التحول نحو الشركات الاقتصادية قد يرفع الكفاءة ويجذب الاستثمار، يحذر آخرون من أن غياب الضمانات التشريعية والرقابية قد يحول هذا المسار إلى “خصخصة غير معلنة” تمس القطاعات الحيوية وتنعكس على كلفة الخدمات الأساسية.

وفي المحصلة، يبقى التحدي الأساسي في مدى قدرة هذا التحول على تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية من جهة، والحماية الاجتماعية والشفافية من جهة أخرى، في سياق انتقالي ما يزال يفتقر إلى بنية رقابية وتشريعية مستقرة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2