أسعار الفستق تقفز لأعلى مستوى منذ 8 سنوات

2026.04.13 - 05:56
Facebook Share
طباعة

تشهد سوق الفستق العالمية موجة ارتفاعات غير مسبوقة منذ سنوات، مدفوعة بتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى تعقيد حركة التجارة وتعميق أزمة قائمة أصلاً في جانب الإمدادات، بالتزامن مع طلب عالمي متزايد على هذا المنتج.
وبحسب بيانات شركة "إكسبانا" المتخصصة في تتبع الأسواق، بلغ سعر الفستق نحو 4.57 دولارات للرطل (453.6 غرام) خلال مارس/آذار، وهو أعلى مستوى يسجله منذ مايو/أيار 2018. هذا الارتفاع نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها اضطراب سلاسل التوريد وتراجع القدرة على تصدير الفستق الإيراني إلى الأسواق الدولية.
تمثل إيران لاعباً محورياً في سوق الفستق العالمية، حيث تنتج نحو 20% من إجمالي الإنتاج العالمي، وتوفر ما يقارب ثلث الصادرات، وفق بيانات وزارة الزراعة الأميركية. في المقابل، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بحصة تقارب 40% من الإنتاج العالمي ونحو نصف الصادرات. هذا التوازن يجعل السوق شديدة الحساسية تجاه أي تغير في إنتاج أو تصدير أحد الطرفين.
قبل اندلاع الحرب، كانت السوق تواجه ضغوطاً متراكمة. محصول عام 2025 جاء أقل من التوقعات نتيجة عوامل مناخية وإنتاجية، إلى جانب استمرار العقوبات المفروضة على إيران، التي أثرت على قدرة المصدرين في الوصول إلى الأسواق وأضعفت مرونة التجارة. كما أدت انقطاعات الاتصالات التي شهدتها البلاد في يناير/كانون الثاني إلى تعطيل التنسيق بين المنتجين والمصدرين، ما انعكس على كفاءة عمليات الشحن.
مع تصاعد التوترات العسكرية، دخلت سلاسل الإمداد مرحلة أكثر تعقيداً. شركات شحن عدة أوقفت أو أعادت جدولة رحلاتها إلى موانئ المنطقة، في حين ارتفعت تكاليف التأمين البحري، ما دفع بعض المتعاملين إلى تأجيل التعاقدات الجديدة أو تقليل حجمها. هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تقليص الكميات المتاحة في الأسواق العالمية خلال فترة قصيرة.
في هذا السياق، أشار محللون في سوق المكسرات إلى أن الفستق يعد من السلع الزراعية المرتبطة بالاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث تتركز مناطق إنتاجه الأساسية، إضافة إلى مروره عبر ممرات تجارية حساسة، ما يجعله عرضة لتقلبات سريعة عند أي توتر.
في المقابل، شهد الطلب العالمي على الفستق نمواً ملحوظاً منذ أواخر عام 2023. توسعت استخداماته خارج النمط التقليدي، حيث دخل في صناعات الآيس كريم والحليب النباتي والمشروبات المنكهة، إضافة إلى منتجات الحلويات والشوكولاتة التوسع رفع الطلب بنسبة كبيرة، وأسهم في زيادة الأسعار بنحو 30% خلال عامين.
التأثير لم يقتصر على الأسواق الغربية، بل امتد إلى آسيا، حيث تُعد الهند من أكبر مستوردي المكسرات، بحجم واردات سنوي يقترب من 9 مليارات دولار. اضطراب الإمدادات أدى إلى زيادة المنافسة بين المشترين، ورفع الأسعار في الأسواق المحلية، مع سعي المستوردين لتأمين احتياجاتهم من مصادر بديلة.
في ظل تراجع الإمدادات الإيرانية، توجهت الأنظار إلى الولايات المتحدة وتركيا كمصدرين بديلين، إلا أن قدرتهما على تعويض النقص تبقى محدودة في المدى القصير، نظراً لطبيعة الإنتاج الزراعي الذي يعتمد على دورات موسمية ولا يمكن زيادته بسرعة استجابة للطلب.
على مستوى اللوجستيات، تأثرت مراكز إعادة التصدير في الإمارات وتركيا باضطرابات النقل، ما أدى إلى تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف التخزين والنقل. كما أن بعض المسارات البحرية شهدت ازدحاماً أو إعادة توجيه، ما أضاف مزيداً من الضغوط على زمن التسليم.
تقديرات غير مؤكدة تحدثت عن أضرار محتملة في منشآت تخزين الفستق داخل إيران، خاصة في مناطق الإنتاج الرئيسية مثل محافظة كرمان، التي تُعد مركزاً لصناعة الفستق. في حال تأكدت هذه الأضرار، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقليص إضافي في المعروض خلال الفترة المقبلة.
في قطاع الصناعات الغذائية، بدأت الشركات في مراجعة استراتيجياتها الإنتاجية. بعض الشركات تدرس تقليل نسبة الفستق في منتجاتها أو استبداله جزئياً بمكسرات أخرى أقل تكلفة مثل اللوز أو البندق. هذا الخيار يظل محدوداً في المنتجات التي يعتمد فيها الفستق كمكون رئيسي من حيث النكهة والقيمة التسويقية.
من المتوقع أن ينعكس ارتفاع الأسعار على المستهلكين بشكل مباشر، سواء من خلال زيادة أسعار المنتجات النهائية أو تقليص حجم العبوات أو تعديل الوصفات كما قد يشهد موسم الصيف، الذي يرتفع فيه استهلاك الآيس كريم، تراجعاً في توفر نكهة الفستق أو انخفاض جودتها في بعض الأسواق.
في حال استمرار التوترات الحالية، قد تتجه الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، خاصة مع محدودية المخزونات العالمية وصعوبة تعويض النقص في المدى القريب.
استمرار القيود على الشحن والتصدير سيبقي السوق تحت ضغط، مع احتمالات تقلبات إضافية في الأسعار.
في المقابل، أي تهدئة في الأوضاع قد تسهم في استعادة جزء من الاستقرار، مع عودة تدريجية لحركة التجارة وتدفقات الإمدادات، إلا أن تأثير الأزمة الحالية قد يستمر لفترة أطول بسبب تراكم الضغوط السابقة على السوق.
تشير المؤشرات الحالية إلى أن سوق الفستق دخلت مرحلة حساسة، تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية مع معطيات العرض والطلب، ما يجعل مستقبل الأسعار مرتبطاً بتطورات المشهد الإقليمي وقدرة المنتجين والموردين على التكيف مع التحديات القائمة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 1