غزة.. حضارة خمسة آلاف عام تواجه خطر الزوال

2026.04.13 - 05:11
Facebook Share
طباعة

تمثل غزة واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، إذ يمتد حضورها الحضاري لأكثر من خمسة آلاف عام، شكّلت خلالها نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا، ومعبراً رئيسياً للقوافل التجارية، ما منحها مكانة استراتيجية في مسارات التجارة والحضارات عبر العصور.
تعرضت المدينة، وفق تقديرات تاريخية، للتدمير نحو 46 مرة، لكنها كانت تعيد بناء نفسها في كل مرة. غير أن ما يجري في المرحلة الأخيرة يتجاوز مفهوم الدمار التقليدي، ليطال البنية الثقافية والذاكرة التاريخية بصورة مباشرة.
في الجانب المادي، تُظهر بيانات وزارة السياحة والآثار في غزة أن عدد المواقع والبيوت الأثرية بلغ 283 موقعاً، دُمّر أكثر من 90% منها خلال الحرب الأخيرة، أي ما يزيد على 250 موقعاً أثرياً، تشمل مباني تعود إلى العصور المملوكية والأيوبية والعثمانية.
لم يقتصر الاستهداف على المباني، بل امتد إلى المقتنيات التاريخية، حيث تم نهب مخزن متحف قصر الباشا الذي كان يضم أكثر من 17 ألف قطعة أثرية، إضافة إلى تدمير أو فقدان مخطوطات نادرة، من بينها نصوص تاريخية ومصاحف قديمة تعود لقرون.
في حي الشجاعية، أحد أقدم أحياء غزة، تعرضت طبقات عمرانية متراكمة لدمار واسع، في منطقة كانت تضم مساجد وآثاراً تعود لمئات السنين، ما أدى إلى فقدان سجل معماري متكامل يعكس تعاقب الحقب التاريخية.
أما الذاكرة المكتوبة، فقد تلقت ضربة كبيرة، إذ كانت غزة تضم 228 مخطوطة أصلية، إلى جانب آلاف الصحف والوثائق الممتدة من القرن الرابع عشر حتى بدايات القرن العشرين، وقد فُقد جزء كبير منها أو دُفن تحت الأنقاض.
في المؤسسات الثقافية، دُمّرت مكتبة بلدية رشاد الشوا بالكامل، بينما فقدت مكتبة غزة العامة أكثر من 80% من محتواها، كما تعرض مركز هولست الثقافي، الذي يضم نحو 100 ألف كتاب، لأضرار جسيمة أثرت على بنيته ومقتنياته.
القطاع الثقافي تعرّض لاستهداف متكرر حتى قبل الحرب الأخيرة، حيث تم تدمير مركز المسحال الثقافي، واستهداف مركز إدوارد سعيد للموسيقى، إضافة إلى مكتبات ومراكز كانت تمثل فضاءات أساسية للإنتاج الثقافي.
وفي ظل الحصار المستمر منذ عام 2007، واجه المشهد الثقافي قيوداً واسعة، شملت منع سفر الفنانين، وتقييد إدخال الكتب، وملاحقة بعض الكتّاب، ما دفع عدداً منهم إلى الكتابة بأسماء مستعارة أو مغادرة القطاع.
رغم ذلك، استمرت محاولات الحفاظ على ما تبقى من الإرث، حيث عملت فرق محدودة العدد على توثيق المواقع الأثرية تحت القصف، وتمكنت من إنقاذ نحو 147 مخطوطة من تحت ركام المسجد العمري الكبير.
في المقابل، أسهم مشروع الرقمنة الذي نفذته بلدية غزة في حفظ أكثر من 95% من البيانات الإدارية، بما يشمل سجلات الملكيات والمخططات التنظيمية، رغم بقاء آلاف الملفات معرضة للخطر داخل مبانٍ متضررة.
الخسارة لم تقتصر على الحجر والوثائق، بل طالت الكفاءات البشرية، إذ قُتل مئات الأكاديميين والكتّاب والمفكرين خلال الحرب، ما أدى إلى فقدان جزء مهم من البنية الفكرية والثقافية للمجتمع.
بهذه المعطيات، يتضح أن ما تتعرض له غزة يتجاوز الدمار المادي، ليشمل مكونات الذاكرة التاريخية والمعرفية، في مشهد يهدد إرثاً حضارياً امتد لآلاف السنين، ويطرح تحديات كبيرة أمام الحفاظ عليه في المستقبل. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8