تنطق محكمة في باريس، اليوم الاثنين، بالحكم في قضية شركة لافارج الفرنسية لصناعة الأسمنت، المتهمة بتمويل جهات مسلحة مصنفة "إرهابية" خلال فترة عملها في سوريا، في واحدة من أبرز القضايا القضائية التي تواجهها شركة متعددة الجنسيات في فرنسا.
ومن المقرر أن تصدر المحكمة قراراتها بحق عدد من المسؤولين التنفيذيين السابقين في الشركة، التي أصبحت لاحقا جزءا من مجموعة “هولسيم” السويسرية، وذلك بعد أن طالبت النيابة العامة بعقوبات تتراوح بين 18 شهرا و8 سنوات سجنا، بحسب ما نقلته وسائل إعلام فرنسية.
ويواجه ثمانية أشخاص، بينهم مسؤولون سابقون في لافارج، اتهامات تتعلق بدفع مبالغ مالية إلى جماعات مسلحة خلال سنوات الحرب في سوريا، من بينها تنظيم "الدولة" (داعش) و"جبهة النصرة"، وذلك بهدف ضمان استمرار عمل مصنع الشركة في البلاد.
وبحسب ملف القضية، فإن شركة لافارج لم تغادر سوريا عام 2012 كما فعلت شركات دولية أخرى، بل قامت بإجلاء موظفيها الأجانب مع الإبقاء على العاملين السوريين، قبل أن يتوقف عمل المصنع لاحقا في عام 2014 بعد توسع سيطرة تنظيم "الدولة" على المنطقة المحيطة به.
وتشير التحقيقات إلى أن الشركة، عبر فرعها "لافارج سيمنت سوريا"، دفعت مبالغ مالية تُقدر بنحو خمسة ملايين يورو لجهات مختلفة خلال تلك الفترة، شملت أطرافا مسلحة ووسطاء محليين، بهدف تأمين المواد الأولية وضمان استمرار الإنتاج وحماية العاملين والمنشأة.
كما تفيد المعطيات بأن الشركة استعانت بوسطاء بين عامي 2013 و2014 لتأمين المواد الخام من مناطق خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة، إضافة إلى تسهيل حركة العمال والمنتجات في بيئة أمنية متقلبة.
وبدأت التحقيقات القضائية في القضية عام 2017، عقب شكويين قُدمتا في 2016، الأولى من وزارة الاقتصاد الفرنسية بشأن انتهاك الحظر المالي المفروض على سوريا، والثانية من موظفين سابقين ومنظمات حقوقية اتهمت الشركة بتمويل جماعات مسلحة.
وفي سياق متصل، أجرت مجموعة “هولسيم” بعد استحواذها على لافارج عام 2015 مراجعة داخلية، خلصت إلى وجود مخالفات لقواعد الامتثال التجاري داخل الشركة قبل عملية الدمج، دون أن تتحمل المجموعة الجديدة مسؤولية تلك الأفعال.
كما شهدت القضية تطورات قضائية خارج فرنسا، حيث توصلت لافارج في الولايات المتحدة عام 2022 إلى تسوية مالية تضمنت دفع نحو ستة ملايين دولار، إضافة إلى تسوية بقيمة 778 مليون دولار، في إطار اتهامات مرتبطة بأنشطتها في سوريا.
وفي فرنسا، تواجه الشركة احتمال فرض غرامات مالية كبيرة في حال الإدانة، قد تصل إلى أكثر من مليار يورو، إضافة إلى عقوبات محتملة بحق المسؤولين السابقين تشمل السجن ومنعهم من تولي مناصب إدارية.
وتشمل التحقيقات الجارية أيضا اتهامات إضافية تتعلق بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، على خلفية استمرار تشغيل المصنع خلال سنوات الحرب، في وقت تؤكد فيه النيابة العامة أن الشركة خالفت قواعد الامتثال وواصلت نشاطها رغم الظروف الأمنية.
وتعود القضية أيضا إلى وثائق وتقارير إعلامية أشارت إلى وجود تواصل بين الشركة وجهات استخباراتية فرنسية خلال فترة عملها في سوريا، وهي معطيات ما زالت جزءا من الجدل المحيط بالقضية، دون صدور موقف قضائي نهائي بشأنها حتى الآن.