شريان عالمي تحت الضغط
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال مضيق هرمز بعيداً عن استعادة نشاطه الطبيعي، في وقت تتكدس فيه مئات ناقلات النفط بانتظار إشارة واضحة للعودة إلى واحد من أهم الممرات الحيوية في العالم.
يمثل مضيق هرمز شرياناً إستراتيجياً حيوياً يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز على مستوى العالم، غير أن حالة الغموض الأمني والسياسي التي أعقبت التهدئة الهشة ما زالت تعرقل عودة حركة الشحن إلى مستوياتها الطبيعية.
وبحسب بيانات شركة "كيبلر" المتخصصة في تتبع حركة الشحن، لم يتم تسجيل عبور سوى خمس سفن فقط خلال يوم واحد، مقارنة بمعدلات أعلى بكثير في الأيام السابقة، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر الشديد التي تسيطر على قطاع النقل البحري، في ظل غياب مؤشرات على اصطفاف واسع للسفن استعداداً للعبور.
وفي السياق ذاته، أفادت شبكة "إن بي سي"، نقلاً عن بيانات ومحللين في قطاع الشحن، بعدم وجود أي سفن تعبر المضيق حالياً، مشيرة إلى تكدس عدد كبير من السفن، لا سيما الصينية، في انتظار الحصول على تصاريح المغادرة.
ويرى خبراء في مجال الشحن البحري أن السبب الرئيسي وراء هذا الجمود يعود إلى هشاشة وقف إطلاق النار، بالتوازي مع استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك اتهامات إيرانية بوجود انتهاكات للاتفاق من خلال عمليات عسكرية في لبنان.
وخلال فترة الحرب، عززت إيران حضورها في المضيق عبر نشر ألغام بحرية وتنفيذ عمليات استهداف للسفن، ما منحها دوراً مباشراً في التحكم بحركة الملاحة.
وعقب إعلان التهدئة، أبدت طهران استعدادها للسماح بمرور السفن، لكنها اشترطت التنسيق المسبق مع قواتها المسلحة، إلى جانب فرض قيود فنية على عمليات العبور، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الملاحي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عدداً كبيراً من السفن اضطر خلال فترة النزاع إلى الالتزام بمسارات قريبة من السواحل الإيرانية، في دلالة واضحة على مستوى السيطرة التي تمارسها طهران على هذا الممر الحيوي.
ويؤكد محللون أن استعادة الحركة الطبيعية في المضيق ترتبط بعاملين أساسيين: أولهما ترسيخ الثقة في صمود وقف إطلاق النار، وثانيهما صدور إعلان واضح من إيران بعدم استهداف السفن التجارية.
إلا أن الضبابية التي تحيط بآليات التنسيق والتصاريح المطلوبة لا تزال تربك شركات الشحن، التي تجد نفسها أمام مخاطر أمنية وقانونية متزايدة.
تحركات دولية: سباق لتأمين الملاحة
بالتوازي مع ذلك، بدأت عدة دول تحركات مكثفة لضمان حرية الملاحة، حيث نسّقت كل من الهند وباكستان وتايلاند مع إيران لتأمين عبور سفنها، فيما أعلنت دول أوروبية وكندا استعدادها للمساهمة في حماية هذا الممر الحيوي.
كما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة إنشاء إدارة مشتركة للمضيق مع إيران، في خطوة مفاجئة أثارت رفضاً دولياً واسعاً.
اقتصاد مضطرب
ومع استمرار توقف حركة السفن، بدأت بعض شركات الشحن بدراسة خيار دفع رسوم لإيران مقابل السماح بالمرور، في محاولة للحد من الخسائر المالية المتفاقمة.
غير أن هذا التوجه ينطوي على مخاطر قانونية كبيرة، لا سيما في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، ما يضع الشركات أمام معادلة معقدة بين تقليل الخسائر والالتزام بالقوانين الدولية.
إلى جانب ذلك، شهدت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب ارتفاعاً حاداً خلال فترة النزاع، ورغم توفر هذا النوع من التأمين في بعض الحالات، فإن هشاشة التهدئة أدت إلى تراجع الإقبال عليه، في مؤشر واضح على استمرار القلق في الأسواق العالمية.
ممر عالمي على حافة الانفجار
يرى خبراء أن إيران قد تنجح في إدارة حركة محدودة للسفن خلال المرحلة الحالية، لكنها لن تتمكن من استيعاب التدفقات الكبيرة كما كان الحال قبل الحرب، حين كان يعبر المضيق أكثر من 100 سفينة يومياً. وفي ظل استمرار التوترات وغياب ضمانات حقيقية، يبقى مضيق هرمز ممرًا حيويًا مهددًا، على حافة تصعيد قد يعيد خلط أوراق المنطقة بأكملها.