تشهد التطورات في مضيق هرمز تصعيدا متزايدا رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حيّز التنفيذ لمدة أسبوعين، حيث أصبح الممر البحري الحيوي عاملا حاسما في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء باتجاه تثبيت التهدئة أو العودة إلى المواجهة.
وتربط واشنطن استمرار الالتزام بالاتفاق بضمان حرية الملاحة الكاملة في المضيق، في حين اتجهت طهران إلى فرض قيود جزئية على حركة العبور، مبررة ذلك بالرد على ما تصفه بانتهاكات إسرائيلية في لبنان، حيث يتواصل التصعيد مع حزب الله، الأمر الذي يربط بشكل مباشر بين الوضع الميداني هناك وحركة الملاحة في الخليج.
وتعكس بيانات ملاحية حديثة تراجعا حادا في حركة السفن، إذ لم يتجاوز عدد السفن العابرة خلال 24 ساعة ناقلة نفط واحدة وخمس سفن شحن، مقارنة بمعدل يومي كان يصل إلى نحو 140 سفينة قبل اندلاع المواجهات أواخر فبراير الماضي. وتشير مصادر ملاحية إلى أن السلطات الإيرانية باتت تشترط الحصول على إذن مسبق للعبور، مرفقا برسوم تُدفع بعملات رقمية أو باليوان الصيني.
في المقابل، لا تزال أعداد كبيرة من السفن تنتظر السماح لها بالمرور، وسط ربط واضح من الجانب الإيراني بين إعادة فتح المضيق بشكل كامل ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وتؤكد طهران أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها عبر وساطة إقليمية تشمل أكثر من ساحة، وليس فقط الملف النووي أو العلاقات الثنائية مع واشنطن.
وتتزايد المخاوف لدى شركات الشحن والتأمين من مخاطر الألغام البحرية، رغم سريان التهدئة، حيث تم الإعلان عن مسارات بديلة للملاحة داخل المضيق لتقليل احتمالات التعرض لهذه المخاطر. كما جرى التنسيق مع جهات دولية لوضع آليات تنظيمية تسهم في تقليل التهديدات، دون أن تنهي حالة القلق القائمة.
في سياق متصل، تتجه إيران إلى إدارة المضيق بأسلوب مختلف، لا يقتصر على الإجراءات العسكرية، بل يشمل فرض ترتيبات مالية وأمنية على السفن العابرة. وتعتبر هذه الخطوة جزءا من أدوات الضغط في مواجهة العقوبات، إلى جانب محاولة تعويض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التصعيد الأخير، ما يعكس توجها لتحويل المضيق إلى منطقة خاضعة لنفوذ مباشر من حيث التنظيم والتمويل.
هذا التوجه قوبل برفض واسع من عدة أطراف دولية، التي ترى في فرض رسوم عبور انتهاكا لمبدأ حرية الملاحة، وتدعو إلى إبقاء المضيق مفتوحا أمام حركة التجارة العالمية دون قيود. كما يجري الحديث عن تحركات لتشكيل جهود دولية تهدف إلى ضمان أمن الممرات البحرية ومنع أي طرف من فرض سيطرة أحادية عليها.
في هذا الإطار، تتزايد الضغوط الأمريكية على حلفائها لتقديم خطط عملية لتعزيز الوجود البحري وضمان أمن الملاحة، بالتوازي مع استمرار الانتشار العسكري الأمريكي في محيط إيران، والذي يوصف بأنه وسيلة لمراقبة تنفيذ التفاهمات والرد على أي خرق محتمل.
وتشير مواقف أوروبية إلى استعداد مبدئي للمشاركة في هذه الجهود، مع التأكيد على ضرورة وجود إطار قانوني واضح وتفويض دولي، إضافة إلى ربط أي تحرك عسكري بوجود وقف دائم لإطلاق النار، وليس مجرد تهدئة مؤقتة.
في ظل هذه المعطيات، يبقى مضيق هرمز عنصرا مركزيا في المشهد، إذ تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويعكس حالة التوازن الهش بين التصعيد والتهدئة. كما أن استمرار القيود الحالية يضع الاتفاق المؤقت أمام اختبار حقيقي، خاصة مع تصاعد الخطاب المتبادل بين طهران وواشنطن.
وتؤكد إيران استمرار مراقبة الوضع والاستعداد للتعامل مع أي تطورات، في حين تلوح الولايات المتحدة بإمكانية الرد في حال عدم الالتزام ببنود الاتفاق. وبين هذه المواقف المتباينة، يظل مستقبل المضيق مرتبطا بشكل مباشر بتطورات الميدان، خصوصا في لبنان، حيث يشكل التصعيد مع حزب الله أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الأزمة.
وبين احتمالات التهدئة أو العودة إلى المواجهة، يبقى المضيق نقطة ارتكاز أساسية في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، سواء نحو تثبيت الاستقرار المؤقت أو الانزلاق مجددا إلى تصعيد أوسع.