لم يعد استهداف منشآت النفط والغاز في الخليج حدثاً أمنياً عابراً، بل تحوّل إلى عامل ضغط مباشر على منظومة الطاقة العالمية، في لحظة شديدة الحساسية يتداخل فيها الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية. فهذه المنطقة تؤمّن حصة كبيرة من إمدادات الطاقة الدولية، وأي اضطراب فيها ينعكس فوراً على الأسواق والأسعار وسلاسل الإمداد.
التطورات الأخيرة تفتح الباب أمام سيناريو أزمة طاقة قد تكون الأوسع منذ عام 1973، مع فارق جوهري يتمثل في أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطاً واعتماداً على سلاسل إنتاج معقدة، ما يجعل أي خلل في تدفق الطاقة يمتد سريعاً إلى قطاعات الغذاء والصناعة والنقل.
الأزمة لا تقف عند حدود النفط والغاز، بل تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي. فدول الخليج تنتج نحو 45% من الكبريت المستخدم في صناعة الأسمدة، كما تمر عبر مضيق هرمز كميات كبيرة من الغاز الذي يدخل في إنتاج الأمونيا، المكوّن الأساسي لسماد اليوريا الذي تعتمد عليه محاصيل رئيسية مثل القمح والأرز والذرة. أي تعطّل في هذه السلسلة يرفع أسعار الأسمدة، ما يدفع المزارعين في الدول النامية إلى تقليل استخدامها، فتتراجع الإنتاجية وترتفع أسعار الغذاء تدريجياً، وصولاً إلى موجات جوع في الدول الأكثر هشاشة خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً.
على المستوى الجيوسياسي، بدأت ملامح إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية بالظهور. أوروبا، التي حاولت تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في خياراتها عبر قنوات غير مباشرة، بينما تستعيد بعض الدول داخل الاتحاد الأوروبي علاقاتها مع موسكو بشكل يمنحها هامش مناورة أوسع. في المقابل، تعيد اليابان تقييم سياساتها الطاقوية، متجهة نحو إحياء محطات الفحم وتسريع العودة إلى الطاقة النووية لضمان أمن الإمدادات.
أما الصين، فتعتمد على شبكة مصادر متنوعة بنتها خلال السنوات الماضية، تشمل روسيا وإيران وآسيا الوسطى وأفريقيا، إلى جانب أسطول نقل مستقل نسبياً، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بغيرها من الاقتصادات الكبرى.
في دول الخليج، تظهر مفارقة واضحة؛ فارتفاع أسعار النفط يعزز الإيرادات نظرياً، لكن تعطّل الشحن عبر مضيق هرمز يحدّ من القدرة على التصدير. بعض الدول، مثل السعودية والإمارات، تعتمد على خطوط أنابيب بديلة وموانئ خارج المضيق، إلا أن هذه المسارات لا تستوعب كامل الإنتاج. في المقابل، تبدو دول مثل قطر والكويت والعراق أكثر تأثراً، حيث انخفض إنتاج العراق من نحو 3.3 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون، مع إعلان حالة القوة القاهرة في عدد من الحقول.
في ما يتعلق بالإمارات، تراجعت الصادرات من 2.75 مليون برميل يومياً إلى 1.9 مليون، مع تحويل جزء من الشحن إلى ميناء الفجيرة عبر الأنابيب، في حين ارتفع سعر البرميل من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات، ما يجعل تقييم الخسائر والمكاسب أكثر تعقيداً.
الاقتصادات المستوردة للطاقة، مثل الأردن ولبنان ومصر والمغرب، تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد، ما يفاقم معدلات التضخم ويؤثر على القدرة الشرائية، خاصة في دول تعاني أساساً من أزمات مالية. في لبنان، تتداخل هذه الضغوط مع تراجع الإنتاج الزراعي في الجنوب، ما يحدّ من فرص الاستفادة من ارتفاع الطلب الإقليمي.
قطاع الغاز تعرّض أيضاً لضربات مؤثرة، حيث تضررت منشأتان من أصل 16 في قطر تمثلان نحو 17% من إنتاجها، فيما توقّف مجمع رئيسي في أبوظبي كان يوفّر قرابة 60% من الإنتاج مؤقتاً. كما طالت الضربات مصافي في الكويت والسعودية، بينها منشآت في الجبيل ورأس تنورة وينبع، ما أضاف مزيداً من التعقيد إلى مشهد الإمدادات.
في إيران، كانت الأضرار أكبر، مع استهداف مصافٍ ومنشآت بتروكيماوية، إضافة إلى مواقع حيوية مثل جزيرة خارك وحقل بارس للغاز، ما أثر بشكل مباشر على الإنتاج. ورغم ذلك، برزت مؤشرات على وجود تفاهم غير معلن يحدّ من استهداف شامل لقطاع النفط، تجنباً لانهيار كامل في السوق العالمية.
أخيراً أن ما يجري يتجاوز حدود أزمة طاقة تقليدية، ليصبح اختباراً شاملاً لقدرة الاقتصاد العالمي على التكيّف مع صدمات مركّبة تمس الطاقة والغذاء والتجارة في آن واحد. ومع استمرار التوتر، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، في ظل تحولات قد تمتد آثارها لسنوات.