تواصل إسرائيل توسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل لبنان عبر إدخال معادلات ميدانية جديدة، تمثلت في استهداف الجسور الحيوية وتهديد معبر المصنع الحدودي مع سوريا، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار العسكري المباشر لتطال البنية الاقتصادية وحركة السكان وسلاسل الإمداد داخل البلاد.
اتسعت دائرة الضربات لتشمل شبكة واسعة من الجسور الرئيسية في الجنوب والبقاع الغربي، من بينها جسر القاسمية الذي يربط الساحل الجنوبي بمحيطه، وجسر الخردلي الذي يصل النبطية بمرجعيون، وجسر القعقعية في قضاء النبطية، إضافة إلى جسر الدلافة الذي يشكّل عقدة وصل بين حاصبيا والبقاع الغربي وجزين، فضلاً عن جسري سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني. تمثل الجسور شرايين أساسية للتنقل والنشاط التجاري، واستهدافها يؤدي إلى تقليص حركة المرور وتعطيل انتقال البضائع وإرباك سلاسل الإمداد.
جاء التوجه ضمن مسار يهدف إلى عزل مناطق جنوب نهر الليطاني عن محيطها، وفرض واقع ميداني قائم على تقطيع أوصال الجغرافيا اللبنانية، الأمر الذي يحدّ من قدرة السكان على التنقل ويعرقل عودة النازحين إلى قراهم، في ظل تجاوز عددهم حاجز المليون، أي قرابة عشرين في المائة من إجمالي السكان.
في موازاة ذلك، برز تهديد معبر المصنع الحدودي كعامل ضغط إضافي، نظراً لأهميته كمنفذ رئيسي لحركة العبور البشري والتبادل التجاري بين لبنان وسوريا. يمثل المعبر شرياناً اقتصادياً حيوياً، وأي استهداف له يؤدي إلى إرباك حركة التجارة البرية ورفع كلفة النقل وتأخير وصول السلع، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الأسواق المحلية.
ترافقت التحركات الإسرائيلية مع تكثيف الغارات الجوية على مناطق سكنية، شملت الضاحية الجنوبية لبيروت ومحيطها، إضافة إلى ضربات في البقاع والجنوب إحدى الغارات طالت شقة سكنية في تلال عين سعادة شرق بيروت، وأسفرت عن سقوط شهداء مدنيين، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مستوى التوتر الداخلي واتساع الجدل السياسي حول طبيعة الاستهدافات.
تزامن التصعيد مع استمرار العمليات البرية في الجنوب، وسط غياب معطيات رسمية دقيقة حول عمق التوغلات، الأمر الذي يزيد من ضبابية المشهد الميداني. الانتشار العسكري على أكثر من محور يعزز احتمالات توسع نطاق العمليات خلال المرحلة المقبلة.
على المستوى السياسي، لا تزال مسارات الحل مغلقة، مع غياب مبادرات فعالة قادرة على إحداث اختراق الدعوات اللبنانية للتفاوض لم تلقَ استجابة، بينما تتجه الأنظار نحو المسار الإقليمي، خاصة التفاهمات المرتبطة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، نظراً لتأثيرها المباشر على الساحة اللبنانية.
في السياق نفسه، تستمر الاتصالات الرسمية مع أطراف دولية بهدف الضغط لوقف العمليات العسكرية وفتح ممرات إنسانية نحو القرى المتضررة، حيث يواجه السكان صعوبات متزايدة في الوصول إلى الغذاء والدواء نتيجة استهداف الطرق والبنية التحتية.
من الناحية العسكرية، يندرج استهداف الجسور ضمن استراتيجية تقوم على التحكم بحركة السكان والإمدادات، وفرض قيود على التنقل بين المناطق، الأمر الذي يخلق بيئة ضاغطة داخلياً كما يحمل التلويح باستهداف معبر المصنع رسائل تتعلق بالسيطرة على الحدود والتأثير في النشاط الاقتصادي.
تؤدي العمليات إلى تأثيرات مباشرة على الحياة اليومية، حيث تتعطل حركة النقل وتتأثر الأسواق المحلية وترتفع كلفة السلع، إضافة إلى صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية، خاصة في المناطق التي أصبحت شبه معزولة نتيجة تضرر البنية التحتية.
يواجه القطاع الصحي تحديات متزايدة مع ارتفاع أعداد المصابين وتراجع القدرة على نقل الحالات الطارئة بسرعة، في ظل تضرر الطرق والجسور، الأمر الذي يضاعف الضغط على المستشفيات والمراكز الطبية العاملة بإمكانات محدودة.
في المحصلة، يبرز استهداف الجسور وتهديد المعابر الحيوية كجزء من مسار يركز على مفاصل الحركة داخل لبنان، مع تأثيرات تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، في ظل غياب أفق سياسي واضح واستمرار التوتر الإقليمي الذي يلقي بثقله على الداخل اللبناني.