سوريا بين العلم الوطني والرايات الفرعية

2026.04.05 - 06:50
Facebook Share
طباعة

 تشهد سوريا في الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في رفع أعلام ورايات غير العلم السوري الرسمي خلال الاحتجاجات أو الوقفات المؤيدة للسلطة، في ظاهرة أثارت جدلًا واسعًا حول انعكاسها على الهوية الوطنية ووحدة الدولة.

وقد لوحظت هذه الظاهرة في مدن متعددة، بينها السقيلبية، حيث رفع المشاركون علم الروم بدل العلم الوطني، في خطوة اعتبرها مراقبون رمزية سياسية وفئوية تعكس الانقسامات المجتمعية. وفي بعض الوقفات الداعمة للسلطة، طغت رمزية دينية على الرايات، ما أثار تساؤلات حول الرسائل التي تحملها هذه الرموز ومدى انسجامها مع الانتماء الوطني.

كما ظهرت رايات التوحيد في ساحات ومداخل عدة مدن، خاصة في الساحل السوري، ضمن مبادرات المجالس المحلية، ما يعكس انتشارًا متزايدًا للرموز الفرعية على حساب العلم الرسمي.

ويرى خبراء أن رفع هذه الأعلام ليس مجرد رمزية بصرية، بل يعكس انتماءات سياسية أو فئوية محددة، وقد يُفسر لدى الجمهور على أنه تحدٍ للوحدة الوطنية أو اعتراف ضمني بتعدد سلطات الأمر الواقع.

الصحفي والكاتب السياسي درويش خليفة يحذر من مخاطر الظاهرة، مؤكدًا أن أي علم غير العلم السوري "أمر غير مبرر"، وأن تعدد الرايات يعمّق الانقسامات القبلية والطائفية والقومية في المجتمع، خاصة في ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا. ويشير خليفة إلى أن بعض الاحتجاجات شهدت مفارقة، حيث عبّر المشاركون عن دعمهم للسلطة وفي الوقت نفسه رفعوا رايات فئوية أو دينية، ما يُضعف فكرة الدولة الجامعة.

من جهته، يشير الباحث في مركز "الحوار للأبحاث والدراسات" بواشنطن، عمار جلو، إلى أن الأزمة تعود إلى فشل الدولة الحديثة في بناء هوية وطنية جامعة، منذ نشأتها في عشرينيات القرن الماضي. وأضاف أن الأنظمة السابقة أخفت الانقسامات عبر أدوات قمعية وخطاب قومي، فبقيت الهويات الفرعية كامنة، لتظهر اليوم مع تراجع قبضتها أو ضعف سلطة الدولة في المرحلة الحالية.

ويضيف جلو أن الأخطاء الحالية من قبل السلطة الجديدة على مستوى الخطاب والممارسة، بالإضافة إلى تعدد سلطات الأمر الواقع وامتلاك كل منها رموزها الخاصة، ساهمت في تكريس حالة التشظي المجتمعي، ما دفع المكونات المختلفة إلى الاحتماء بهوياتها الفرعية خوفًا من فقدان تمثيلها في إطار الدولة.

وتتقاطع رؤية خليفة وجلو حول خطورة الظاهرة، لكنهما يختلفان في مقاربة الحل. يرى خليفة أن الأولوية للسلطة الانتقالية هي ضبط الشارع ومنع رفع أي رايات غير العلم الوطني، بينما يرى جلو أن بناء عقد اجتماعي شامل يمر عبر خطوات سياسية واجتماعية وتشريعات عادلة، تضمن المساواة لجميع المكونات وتحد من النزعات الإقصائية والانقسامية.

من الناحية القانونية، يؤكد الخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني أن رفع أعلام غير العلم السوري مؤشر على إعادة تشكيل الولاءات من الدولة إلى الجماعة، وأن غياب استقرار دستوري واضح يزيد صعوبة التمييز بين حرية التعبير وتهديد الوحدة الوطنية. ويشير الكيلاني إلى أن أي معالجة للظاهرة يجب أن تكون سياسية واجتماعية، تشمل: صياغة مشروع وطني جامع، تطوير دستور يعترف بالتعددية دون السماح بتحولها إلى انقسام، التزام الحكومة بالحياد تجاه الهويات الفرعية، وتعزيز التربية الوطنية والإعلام لتثبيت الانتماء للدولة.

في ظل هذه التحديات، تظل مؤشرات بناء هوية وطنية جامعة في سوريا غائبة، ما يجعل من تعزيز الوحدة الوطنية وإعادة توجيه الرمزية الوطنية مهمة أساسية للحفاظ على الدولة والمجتمع من الانقسامات المحتملة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4