تزايدت في الآونة الأخيرة حالة القلق بين اللبنانيين نتيجة تلقيهم إنذارات إخلاء واتصالات مجهولة المصدر، في ظل استمرار التصعيد العسكري واتساع نطاق الاستهداف، ما جعل الهاتف المحمول يتحول إلى مصدر توتر يومي لدى كثيرين.
وفي مدينة صيدا، تلقى أحد السكان اتصالاً هاتفياً من رقم غير معروف يطالبه بإخلاء المكان فوراً، ما أثار حالة من الارتباك قبل أن يتبين لاحقاً أن التحذير صحيح من حيث المصدر لكنه لا يتعلق بالموقع الذي كان فيه، بل بمنطقة كان قد غادرها سابقاً في جنوب البلاد.
اتصالات واسعة وإخلاءات احترازية
خلال الأيام الماضية، سُجلت عشرات الحالات التي تلقى فيها مواطنون اتصالات تطالبهم بإخلاء منازلهم أو مواقع وجودهم بشكل عاجل. وشملت هذه الاتصالات مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة، ما تسبب بحالات إخلاء في مواقع مختلفة، بينها مبانٍ رسمية ومرافق سياحية.
فقد جرى إخلاء مبنى وزارة الاقتصاد اللبنانية بعد تلقي اتصال تحذيري وصل إلى مبنى مجاور، كما طُلب من نزلاء أحد الفنادق في منطقة الروشة مغادرته بشكل فوري. وفي صيدا أيضاً، أُخلي مبنى الضمان الاجتماعي القديم في السوق التجاري مع المحال المحيطة به عقب تهديد هاتفي، ما أدى إلى حالة هلع بين السكان والتجار.
وفي بلدة الغازية، تبين أن اتصالاً مشابهاً كان عبارة عن مزحة، رغم أنه تسبب بحالة خوف فعلية لدى من تلقوه، ما يعكس صعوبة التمييز بين التهديدات الحقيقية والزائفة.
التباس بين الواقع والشائعات
هذا التداخل بين الإنذارات الصحيحة والمفبركة وضع المواطنين أمام حالة من عدم اليقين، حيث باتت كل مكالمة محتملة تحمل تهديداً حقيقياً أو إنذاراً كاذباً، الأمر الذي يعمّق الضغط النفسي في ظل ظروف أمنية متوترة أساساً.
وفي هذا السياق، أعلنت الجهات الأمنية توقيف أشخاص متورطين بإرسال رسائل مفبركة، في محاولة للحد من انتشار هذه الظاهرة.
آلية منظمة خلف الاتصالات
بحسب مختصين في تكنولوجيا المعلومات، فإن جزءاً من هذه الاتصالات صادر عن أنظمة منظمة تستند إلى قواعد بيانات تحتوي على أرقام هواتف سبق تسجيلها في مناطق مستهدفة.
وأوضح خبير الاتصالات عامر طبش أن الأرقام التي كانت مسجلة سابقاً في مناطق جنوبية أو في الضاحية الجنوبية لبيروت تستمر في تلقي التحذيرات حتى بعد انتقال أصحابها إلى مناطق أخرى، ما يعني أن الرسائل تُبنى على بيانات قديمة وليس على الموقع الفعلي الحالي.
وأشار إلى أن هذه الاتصالات تُرسل عبر أنظمة آلية تبث رسائل صوتية مسجلة، وهو ما يمنحها طابعاً منظماً، ويجعلها جزءاً من أدوات الضغط النفسي، وليس مجرد تحذيرات ميدانية.
كما أن تأثير هذه الاتصالات لا يقتصر على المتلقين، بل يمتد إلى المجتمعات التي نزحوا إليها، إذ تثير القلق لدى السكان المحليين وقد تؤثر على العلاقة بين النازحين والبيئة المضيفة.
تداعيات نفسية متراكمة
من الناحية النفسية، يرى مختصون أن تلقي إنذار إخلاء، حتى لو كان غير دقيق، يترك أثراً فعلياً على الأفراد، لأن رد فعل الجسم يحدث فوراً دون انتظار التحقق من صحة التهديد.
وأوضح المعالج النفسي جورج أبو مرعي أن الإنسان عند تلقي مثل هذه الاتصالات يدخل مباشرة في حالة استنفار، تظهر عبر تسارع ضربات القلب والتوتر والبحث عن ملاذ آمن، إضافة إلى التواصل السريع مع أفراد العائلة تحت ضغط الوقت.
وأشار إلى أن تكرار هذه التجارب يؤدي إلى ما يعرف بالقلق التوقعي، حيث يبدأ الأفراد بتقييد حركتهم وتجنب الخروج أو التخطيط للمستقبل، مع متابعة مستمرة للأخبار والبقاء في حالة ترقب دائم.
ومع استمرار هذه الحالة، قد تتطور إلى شكل من أشكال الصدمة المزمنة، حتى في غياب قصف مباشر، حيث يفقد الشخص الشعور بالأمان ويصبح عرضة لأعراض مثل نوبات الهلع واضطرابات النوم والكوابيس وصعوبة التركيز والإجهاد النفسي المستمر.
ويختصر كثيرون هذه الحالة بعبارة تعكس عمق التأثير النفسي: عدم وقوع حدث مباشر لا يعني غياب الأثر، إذ يبقى الشعور بالتعب النفسي حاضراً نتيجة التوتر المتكرر.
سياق أوسع من الحرب النفسية
تأتي هذه الظاهرة في سياق أوسع من التصعيد العسكري، حيث تترافق العمليات الميدانية مع أدوات ضغط غير مباشرة تستهدف الحالة النفسية للمدنيين، ما يضيف بعداً جديداً لتأثير الحرب يتجاوز نطاق المواجهات العسكرية المباشرة.