لماذا تحولت اتصالات الإخلاء إلى سلاح رعب يومي للبنانيين؟

2026.04.04 - 12:17
Facebook Share
طباعة

تحوّل الهاتف في لحظات عابرة إلى مصدر رعب يومي يلاحق اللبنانيين، مع تصاعد وتيرة الإنذارات المرتبطة بالحرب واتساع نطاقها خارج مناطق المواجهة المباشرة في مدن كانت تُعد أقل توتراً، بدأت مكالمات غامضة تصل إلى السكان، تحمل تحذيرات عاجلة بالإخلاء، وتدفعهم إلى حالة ارتباك بين التصديق والتشكيك.
تجمّدت الحياة لثوانٍ لدى كثيرين فور تلقي هذه الاتصالات، إذ لا وقت كافياً للتحقق، ولا وضوح حول مصدرها أو دقتها تتداخل الحقيقة مع الشائعات، ويتحوّل القرار بين البقاء أو المغادرة إلى لحظة ضغط نفسي حاد.
في بعض الحالات، تبيّن أن التحذيرات تستند إلى مواقع سكن سابقة، الأمر الذي يزيد من الالتباس ويرفع مستوى القلق.
توسّعت دائرة هذه الاتصالات خلال الأيام الماضية، حيث تلقى عشرات المواطنين مكالمات من أرقام خارجية تطالبهم بإخلاء منازلهم أو مواقع عملهم فوراً امتد تأثيرها إلى محيط مؤسسات رسمية ومبانٍ تجارية، ما أدى إلى عمليات إخلاء احترازية في أكثر من موقع. كما شملت التحذيرات أماكن بعيدة نسبياً عن خطوط التوتر، الأمر الذي زاد من حالة الذعر بين السكان.
سُجلت حوادث إخلاء في مبانٍ حكومية وأخرى تجارية، إضافة إلى فنادق ومرافق عامة، بعد تلقي تحذيرات هاتفية بقصف محتمل. وفي حالات أخرى، تبيّن أن بعض الاتصالات لم تكن سوى مزحات ثقيلة، كادت تتحول إلى فوضى نتيجة سرعة انتشار الخوف بين الناس هذا التداخل بين الحقيقي والمفبرك خلق بيئة ضبابية يصعب فيها التمييز بين التهديد الفعلي والإشاعة.
تستند طبيعة الاتصالات إلى بيانات مخزنة مسبقاً، إذ تبقى الأرقام التي كانت مسجلة في مناطق تتعرض حالياً للقصف ضمن نطاق الاستهداف، حتى بعد انتقال أصحابها إلى مناطق أخرى. بذلك، يستمر وصول التحذيرات إلى أشخاص نزحوا من مناطقهم الأصلية، استناداً إلى مواقعهم السابقة لا الحالية.
تعتمد الآلية على أنظمة اتصال آلية تبث رسائل صوتية مسجلة، وهو ما يمنحها طابعاً منظماً ويعزز تأثيرها النفسي لا يقتصر الأثر على المتلقين، إذ يمتد إلى المجتمعات التي انتقلوا إليها، حيث تنتقل حالة القلق بسرعة وتؤثر على الإحساس العام بالأمان.
تُظهر التجارب اليومية أن الخطر لا يرتبط فقط بصحة التحذير، إذ يعيش الإنسان حالة الخوف كاملة بمجرد تلقيه. يستجيب الجسد فوراً عبر تنشيط نظام الطوارئ الداخلي، فتتسارع ضربات القلب، ويظهر الارتباك، ويتجه التفكير نحو البحث عن ملاذ آمن، ومحاولات عاجلة للتواصل مع المقربين.
مع تكرار هذه الحالات، يتشكل القلق التوقعي، حيث يبدأ الأفراد بتقييد حركتهم وتجنب التنقل، ويفضلون البقاء في أماكن يعتبرونها أكثر أماناً. يتزايد الاعتماد على الهاتف كمصدر للمعلومات، ويتحوّل إلى أداة ترقب دائم، مع متابعة مستمرة للأخبار.
تتراكم الضغوط تدريجياً، وقد تقود إلى حالة من الإرهاق النفسي المزمن، حيث يفقد الإنسان شعوره بالسيطرة والأمان. تظهر الأعراض في نوبات هلع، اضطرابات في النوم، كوابيس متكررة، إضافة إلى صعوبة في التركيز واستنزاف ذهني مستمر.
تندرج الظاهرة ضمن أدوات الحرب النفسية التي تستهدف المدنيين بشكل غير مباشر، عبر خلق حالة من الإرباك وزعزعة الاستقرار الداخلي. لم يعد التهديد مقتصراً على القصف أو العمليات العسكرية، إذ امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الغموض عاملاً ضاغطاً يفاقم التوتر.
يفرض الواقع على اللبنانيين نمطاً جديداً من التعايش مع الخطر، حيث تختلط الإنذارات الحقيقية بالوهمية، ويتحوّل الهاتف إلى مصدر قلق دائم. في ظل هذا المشهد، تبقى حالة الترقب مسيطرة، ويستمر الشعور بعدم اليقين، مع تراجع القدرة على التمييز بين الآمن والخطر. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1