لماذا تبتعد روسيا والصين عن دعم إيران عسكرياً؟

2026.04.02 - 03:07
Facebook Share
طباعة

يفتح غياب الدعم العسكري المباشر من روسيا والصين لإيران باب التساؤلات حول حدود التحالفات الدولية، خاصة في ظل تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، غير أن قراءة معمقة للمشهد تكشف أن الموقف يرتبط بحسابات استراتيجية دقيقة تتقدم فيها المصالح على الشعارات السياسية.
حسابات الصين الاستراتيجية وأولوية الجغرافيا:
تضع الصين محيطها الإقليمي في صدارة أولوياتها، حيث تتركز استراتيجيتها العسكرية والسياسية على شرق آسيا، بما يشمل تايوان واليابان وبحر الصين الجنوبي في هذا السياق، لا يحتل الشرق الأوسط موقعاً مركزياً في عقيدتها الأمنية، رغم أهميته الاقتصادية.
تشير البيانات إلى أن الصين اشترت خلال عام 2025 أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني، وهو ما يمثل نحو 13.4% من إجمالي وارداتها النفطية. يعكس ذلك أهمية إيران كمصدر للطاقة، لكنه لا يرتقي إلى مستوى تحالف عسكري ملزم تمتلك بكين احتياطياً نفطياً يكفي لتغطية وارداتها لمدة 120 يوماً، إضافة إلى اعتمادها على موردين بديلين مثل روسيا، ما يقلل تأثير أي اضطراب مؤقت في الإمدادات.
تتبنى الصين نهجاً قائماً على تجنب التحالفات العسكرية الرسمية، إذ تقتصر معاهداتها الدفاعية على اتفاق واحد مع كوريا الشمالية منذ عام 1961. يفسر هذا التوجه تحفظها على الانخراط العسكري المباشر، خاصة أن إيران لا تشكل جزءاً من منظومة أمنية حيوية بالنسبة لها.
مكاسب بكين من انشغال واشنطن:
تجد الصين في انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصة لإعادة توزيع التوازنات الدولية نقل واشنطن جزءاً من قدراتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يخفف الضغط العسكري على الصين، ويمنحها مساحة أوسع للتحرك في محيطها الحيوي.
بدأت الولايات المتحدة تحويل أصول عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، شملت بطارية اعتراض من نظام "ثاد" من كوريا الجنوبية، إضافة إلى نقل قوات بحرية وبرية مثل السفينة "يو إس إس تريبولي" ووحدات من مشاة البحرية من اليابان، وكذلك مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" من بحر الصين الجنوبي.
يحد هذا التحول من قدرة واشنطن على تركيز مواردها في مواجهة الصين، ويمنح بكين فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة.
إيران في سلم الأولويات الروسية:
تنظر روسيا إلى إيران من زاوية مختلفة، حيث لا تحتل طهران موقعاً محورياً في استراتيجيتها الكبرى. يركز "مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023" على الجوار القريب باعتباره المجال الحيوي الأول، بينما تأتي منطقة الشرق الأوسط في مرتبة لاحقة.
ورغم وجود تعاون عسكري بين موسكو وطهران، فإن مستوى هذا التعاون لا يصل إلى حد التحالف الدفاعي. أبرمت روسيا صفقات تسليح مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف "فيربا" و2500 صاروخ من طراز "9إم336"، إلا أن هذه الصفقات تبقى ضمن إطار التعاون العسكري التجاري.
كما تبقى العلاقات الاقتصادية بين البلدين محدودة نسبياً، ولا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط كمصدر رئيسي للطاقة، ما يقلل من أهمية إيران في حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية.
الحرب فرصة اقتصادية لموسكو:
تستفيد روسيا من تداعيات الحرب على أسواق الطاقة العالمية. أي اضطراب في مضيق هرمز يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يعزز عائدات موسكو التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة كما يدفع ذلك دولاً مثل الصين والهند إلى زيادة وارداتها من النفط الروسي، وهو ما يوفر دعماً إضافياً للاقتصاد الروسي.
يمنح هذا الواقع موسكو حافزاً للاستفادة من استمرار الصراع دون الانخراط المباشر، حيث تحقق مكاسب اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.
استنزاف القدرات الأمريكية عامل مشترك:
يشكل استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية عاملاً مركزياً في حسابات روسيا والصين العمليات العسكرية في إيران تتطلب استخدام أنظمة متقدمة مثل "ثاد" و"باتريوت" وصواريخ "توماهوك"، ما يؤدي إلى تقليص المخزون الأمريكي المتاح في مناطق أخرى.
يخدم هذا الاستنزاف روسيا في حربها في أوكرانيا، حيث يقلل من حجم الدعم العسكري الموجه إلى كييف، كما يمنح الصين فرصة لتعزيز موقعها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستفيدة من تراجع التركيز الأمريكي.
تمتلك روسيا خيار تقديم دعم غير مباشر لإيران، من خلال تبادل معلومات استخباراتية أو تقديم دعم تقني، دون الوصول إلى مستوى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.
تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن:
تدرك موسكو وبكين أن أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على استقرارهما الداخلي ومصالحهما الاقتصادية. لذلك يفضل الطرفان الاكتفاء بالدعم السياسي والدبلوماسي، مع الحفاظ على قنوات الاتصال وتجنب التصعيد المباشر.
يعكس هذا النهج فهماً براغماتياً لطبيعة الصراع، حيث تسعى الدولتان إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل مستوى من المخاطر.
خلاصة المشهد الاستراتيجي:
يرى مراقبون أن موقف روسيا والصين تجاه الحرب الدائرة حول إيران كجزء من استراتيجية أوسع تقوم على إدارة التوازنات الدولية دون الانخراط في صراعات مباشرة. الامتناع عن تقديم دعم عسكري مباشر لا يعبر عن ضعف أو تخلي عن الشراكة، وإنما عن حسابات دقيقة تضع المصالح القومية في المقدمة.
في هذا السياق، كلما طال أمد الصراع، زادت فرص موسكو وبكين لتعزيز موقعهما في النظام الدولي، سواء عبر استنزاف الولايات المتحدة أو عبر الاستفادة من التحولات الاقتصادية المرتبطة بأسواق الطاقة. هذه المعادلة تجعل الحذر خياراً استراتيجياً في إدارة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 10