كشفت بيانات الملاحة البحرية عن تحولات عميقة في حركة السفن عبر مضيق هرمز خلال فترة الحرب، مع بروز دور متزايد للسفن المرتبطة بإيران، وهو تطور يعيد رسم صورة السيطرة الفعلية على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويطرح تساؤلات حول طبيعة النفوذ في هذا الشريان الحيوي للطاقة.
أظهر تحليل صادر عن مؤسسة "لويدز ليست إنتليجنس" أن 71 بالمئة من السفن التي عبرت المضيق منذ الأول من مارس، وهو اليوم الذي أعقب بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت مرتبطة بطهران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر الملكية أو الانطلاق من موانئ إيرانية أو من خلال الارتباط بما يعرف بـ"الأسطول الخفي" المستخدم في نقل النفط بعيداً عن القيود والعقوبات.
هذا التحول لا يقتصر على الأرقام، بل يكشف تغيراً في طبيعة حركة الملاحة داخل المضيق، حيث باتت السفن المرتبطة بإيران تشكل النسبة الأكبر من العبور، في وقت تراجعت فيه حركة شركات الشحن الدولية التقليدية نتيجة المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين والتشغيل، وهو ما دفع العديد منها إلى تقليص وجودها أو إعادة توجيه مساراتها بعيداً عن المنطقة.
كما أظهرت البيانات تصاعد الاعتماد على "الأسطول الظلي"، إذ شكلت سفنه 88 بالمئة من إجمالي العبور خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بـ83 بالمئة في الأسبوع الذي سبقه، وهو ما يشير إلى توسع الشبكات غير الرسمية في نقل النفط وقدرتها على الاستمرار رغم الضغوط الدولية.
حتى السفن التي تلتزم بالعقوبات، ومنها سفن شحن يونانية، ظهرت لديها ارتباطات غير مباشرة بإيران، سواء عبر مسارات الرحلات أو طبيعة الشحنات أو شبكات الإمداد، وهو ما يعكس تشابكاً معقداً في منظومة النقل البحري يصعب فصله عن النشاط الإيراني في المنطقة.
هذه المعطيات تضعف الروايات التي تحدثت عن سماح إيران بمرور ناقلات نفط كخطوة استثنائية، إذ يرى خبراء أن قدرة طهران على التأثير في حركة السفن والنفط تشير إلى مستوى متقدم من التحكم في هذا الممر البحري الذي يبلغ عرضه نحو 21 ميلاً، ويعد نقطة عبور رئيسية لنحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.
في المقابل، لا تزال حركة الملاحة دون مستوياتها الطبيعية، حيث تشير تقديرات شركة "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس" إلى وجود نحو 3000 سفينة تنتظر في محيط المضيق، بينما يبلغ متوسط عدد السفن العابرة يومياً نحو 120 سفينة فقط، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر في أوساط شركات الشحن العالمية.
كما أن التوقعات التي رجحت هيمنة سفن تابعة لدول مثل الهند والصين على حركة العبور لم تتحقق بالكامل، في ظل استمرار الدور المحوري للسفن المرتبطة بإيران، وهو ما يعكس تعقيد المشهد البحري وتشابك المصالح الاقتصادية مع المعطيات الجيوسياسية.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن مضيق هرمز دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات القوة مع معادلات السوق، في وقت تستمر فيه حالة عدم اليقين في التأثير على حركة التجارة العالمية، مع بقاء هذا الممر الحيوي تحت تأثير مباشر للتوترات الإقليمية.