تكشف بيانات مصرفية عن تدخل واسع للبنك المركزي التركي في سوق الصرف، مع بيع عملات أجنبية بقيمة تقارب 45 مليار دولار منذ بداية الحرب مع إيران، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة على الليرة وتقليل حدة التقلبات في الأسواق المالية.
وتُظهر تقديرات مصرفيين أن مبيعات هذا الأسبوع وحده تراوحت بين 18 و21 مليار دولار، مع توقعات بأن تسجل الميزانية العمومية نحو 20 مليار دولار، استنادًا إلى بيانات أولية للجزء الأول من الأسبوع وتقديرات لبقية الأيام، وفق ما أوردته وكالة "رويترز".
حجم التدخل يعكس تسارع الضغوط على العملة المحلية، مع ارتفاع الطلب على الدولار والعملات الأجنبية في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الإقليمية. هذا الواقع يفرض على البنك المركزي التحرك المباشر لضبط السوق، عبر زيادة المعروض من النقد الأجنبي وتخفيف حدة التذبذب في سعر الصرف.
التحركات النقدية تتزامن مع محاولات أوسع لتعزيز الاستقرار المالي، حيث تعمل السلطات التركية على إعداد حزمة أدوات إضافية لحماية الليرة، تتضمن إجراءات نقدية ومالية تهدف إلى الحد من خروج رؤوس الأموال وتعزيز ثقة المستثمرين في السوق المحلية.
وتشمل هذه الخيارات دراسة استخدام جزء من احتياطيات الذهب، التي تمثل عنصرًا مهمًا في دعم المركز المالي للبنك المركزي، بما يتيح مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات وتقليل الاعتماد على الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وفق ما نقلته وكالة "بلومبرغ" عن مصادر مطلعة.
الضغوط الحالية لا تقتصر على السوق المحلية، بل ترتبط ببيئة اقتصادية عالمية أكثر تعقيدًا، مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما يزيد من كلفة الواردات ويضغط على ميزان المدفوعات في الدول المستوردة للطاقة، ومنها تركيا.
كما يواجه الاقتصاد التركي تحديات داخلية، في مقدمتها معدلات التضخم المرتفعة، التي تزيد من حساسية السوق تجاه أي تقلبات خارجية، وتدفع الأفراد والشركات إلى التحوط عبر زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
هذا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية يضع الليرة تحت ضغط مزدوج، ما يدفع البنك المركزي إلى استخدام أدواته المتاحة بشكل مكثف للحفاظ على الاستقرار النقدي ومنع حدوث تراجعات حادة في قيمة العملة.
مبيعات العملات الأجنبية تمثل أداة مباشرة للتدخل، إذ تتيح توفير السيولة في السوق وتقليل الفجوة بين العرض والطلب، وهو ما يساهم في تهدئة تحركات سعر الصرف على المدى القصير. غير أن استمرار هذا النهج يرتبط بقدرة البنك المركزي على الحفاظ على مستوى كافٍ من الاحتياطيات، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة.
في ظل هذه المعطيات، تبقى السياسة النقدية أمام اختبار صعب بين الحفاظ على استقرار العملة وتجنب استنزاف الاحتياطيات، مع ترقب مسار التطورات الإقليمية وتأثيرها على الأسواق المالية خلال الفترة المقبلة.