الحرس الثوري الإيراني: صراع القرار بين الحرب والتفاوض

2026.03.26 - 08:47
Facebook Share
طباعة

تشهد إيران إعادة تشكيل دقيقة لمراكز النفوذ، في توقيت يتقاطع فيه التصعيد العسكري مع تحركات سياسية غير معلنة. تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام، في ظل تراجع واضح لدور المؤسسات المدنية وصعود القرار المرتبط بالبنية الأمنية والعسكرية
التحولات الأخيرة جاءت بعد اغتيال المرشد علي خامنئي مع بداية الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي، وهو حدث أحدث فراغًا في قمة هرم السلطة، ودفع إلى إعادة ترتيب سريعة لمراكز القيادة مؤشرات عدة أظهرت انتقال ثقل القرار إلى الحرس الثوري، مع تضييق هامش الحركة أمام الحكومة. الجدل الذي أعقب تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان حول وقف الهجمات على دول عربية، ثم تراجعه عنها تحت ضغط داخلي، كشف حدود التأثير السياسي في مقابل تصاعد النفوذ العسكري.
في موازاة ذلك، تحرك مجلس خبراء القيادة لتثبيت مجتبى خامنئي في موقع القيادة، في محاولة لضمان استمرارية النظام ومنع تعدد مراكز القرار. هذا الترتيب جرى بسرعة لقطع الطريق أمام أي مسارات بديلة قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية أوسع.
ذو القدر… خبرة مركبة في لحظة حساسة
يمتلك ذو القدر، البالغ 72 عامًا، سجلًا طويلًا داخل الحرس الثوري ومؤسسات الدولة تولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة، وشغل منصب نائب القائد العام للحرس لمدة ثماني سنوات، قبل انتقاله إلى مواقع سياسية وأمنية، منها معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية، ثم معاون رئيس السلطة القضائية، وصولًا إلى موقع أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام خلال السنوات الخمس الماضية.
هذا المسار يمنحه قدرة على التحرك داخل دوائر متعددة، مع فهم عميق لتوازنات القوة داخل النظام. حضوره في المجلس الأعلى للأمن القومي يعزز دور الحرس في رسم السياسات العليا، ويضعه في موقع تنسيق بين الأجهزة العسكرية والسياسية.
بنية الحرس… تعددية داخل إطار واحد
الحرس الثوري لا يعمل ككتلة متجانسة، بل كمنظومة تتداخل فيها اتجاهات مختلفة خلال العقدين الماضيين، برز تياران رئيسيان يتنافسان على التأثير في القرار:
تيار الجيل القديم/البراغماتي:
يضم شخصيات مثل محسن رضائي، يحيى رحيم صفوي، محمد باقر ذو القدر، ومحمد باقر قاليباف. يمتلك هذا التيار خبرة ممتدة في إدارة الحروب والأزمات، مع انفتاح محسوب على أدوات السياسة، بما في ذلك التفاوض ضمن شروط محددة. الحرب الأخيرة رفعت من حضوره، مع أدوار مباشرة في التخطيط والقيادة، إلى جانب طرح أسماء منه في أي مسار سياسي محتمل.
تيار أكثر تشددًا:
يضم عزيز جعفري، أحمد وحيدي، وحسين طائب، ويرتبط بتيارات سياسية صلبة مثل جبهة "بايداري" يركز على الحسم العسكري، ويرى أن أي انخراط تفاوضي قد يضعف الموقع الاستراتيجي لإيران. نفوذه توسع خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، مع حضور قوي داخل الأجهزة الأمنية.
التنافس بين الاتجاهين يتجاوز الخلاف التكتيكي، ويمتد إلى تصور مختلف لطبيعة المرحلة: إدارة الصراع عبر التوازن، أو الدفع نحو مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.
ازدواجية المسار… ضغط ميداني وتحرك سياسي
الانقسام الداخلي يظهر في التعاطي مع ملف التفاوض مع الولايات المتحدة اتجاه يرفض أي حديث عن تفاوض، ويعتبره جزءًا من مناورة سياسية، واتجاه آخر يطرح إمكانية استثمار قنوات خلفية لخفض التصعيد دون تقديم تنازلات جوهرية.
المعادلة الحالية تقوم على الجمع بين مسارين متوازيين: تصعيد عسكري لرفع الكلفة على الخصوم، وتحرك سياسي محدود للحفاظ على هامش المناورة هذا الأسلوب يمنح طهران قدرة على تعديل موقفها وفق تطورات الميدان والضغوط الدولية.
عسكرة القرار… تحول بنيوي
التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال تدريجي نحو نموذج حكم تُهيمن عليه المؤسسات العسكرية تراجع دور الأحزاب، وانكفاء النخب السياسية، وصعود القيادات الأمنية إلى مواقع القرار، جميعها مؤشرات على تحول بنيوي في طبيعة النظام.
المجلس الأعلى للأمن القومي أصبح مركزًا فعليًا لصياغة الاستراتيجية، مع دور متقدم للحرس الثوري في تحديد مسارات السياسة الخارجية والملفات الإقليمية وجود شخصية مثل ذو القدر في هذا الموقع يعزز هذا الاتجاه، ويكرّس تداخلاً أكبر بين الأمن والسياسة.
ملامح المرحلة المقبلة:
المشهد الإيراني يتجه نحو مزيد من التعقيد، مع تداخل العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية مسار المرحلة يرتبط بعدة محددات رئيسية:
توازن القوى داخل الحرس وقدرته على احتواء التنافس الداخلي
تطورات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل
إمكانية فتح قنوات تفاوض فعالة
مستوى الضغط الاقتصادي المرتبط بالعقوبات وأسواق الطاقة
إيران تمر بمرحلة إعادة تعريف لمراكز القرار، حيث تتقدم المؤسسة العسكرية إلى موقع القيادة، وتُعاد صياغة العلاقة بين السياسة والأمن تعيين ذو القدر يمثل جزءًا من هذا التحول، في إطار محاولة إدارة التوازن بين تيارين داخل الحرس، أحدهما يميل إلى البراغماتية، والآخر يدفع نحو التشدد.
المعادلة القائمة لا تحسم الاتجاه النهائي، وتبقي الباب مفتوحًا أمام مسارين متوازيين: استمرار المواجهة مع توسيع أدوات الردع، أو الانخراط في تسوية محسوبة بشروط جديدة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4