من يمر ومن يُمنع في مضيق هرمز

2026.03.24 - 07:46
Facebook Share
طباعة

 لم يعد السؤال حول مضيق هرمز مقتصراً على ما إذا كان مفتوحاً أو مغلقاً، إذ يشهد الممر البحري الأهم للطاقة العالمية حالياً حركة تختلف عن الانسياب الطبيعي للملاحة، لكنها لا تصل إلى الإغلاق الكامل. المشهد الحالي أقرب إلى عبور انتقائي، حيث تتقدم بعض السفن بينما تتوقف أخرى، ويصبح حق المرور مرتبطاً بطبيعة الحرب والجهة التي تحدد حالة "الحياد" لكل سفينة.

وقد تجلى هذا المعنى بشكل مباشر، حين أعلن مجلس الدفاع الإيراني، أمس الاثنين، أن الدول غير المشاركة في الحرب يمكنها عبور المضيق بعد التنسيق مع طهران لضمان مرور آمن. في الوقت نفسه، حذّر البيان من أن أي هجوم على السواحل أو الجزر الإيرانية سيؤدي إلى تلغيم مسارات الوصول في الخليج، ما قد يجعل كامل الخليج معرضاً للشلل كما في هرمز.

بهذا الإعلان، لم تكتفِ إيران بالتهديد بإغلاق أوسع حال اتساع الحرب، بل أرست قاعدة جديدة للملاحة نفسها، مفادها أن المرور لم يعد حقاً تلقائياً، بل مساراً يتطلب التنسيق مع طهران. وبذلك تغير جوهر المسألة: فالمهم لم يعد مجرد احتمال الإغلاق، بل من يملك تعريف "السفينة المحايدة"، ومن يملك منح أو حجب المرور، ومن يحوّل البحر إلى أداة تفاوض سياسي، وليس مجرد ممر تجاري.

ترسيم القاعدة:
ولم يأتِ الموقف الإيراني من فراغ، إذ نقلت رويترز الأحد عن ممثل إيران لدى المنظمة البحرية الدولية وسفيرها في لندن، علي موسوي، أن المضيق مفتوح أمام الشحن باستثناء السفن المرتبطة بما وصفه بـ"أعداء إيران". وأضاف أن السفن غير المنخرطة في الحرب يمكنها المرور بعد التنسيق بشأن ترتيبات الأمن والسلامة.

وجاء بيان مجلس الدفاع الإيراني التالي ليمنح هذه القاعدة صيغة أكثر وضوحاً وإلزامية، محولاً موقف إيران من تصريح تفسيري إلى قاعدة تشغيلية فعلية. فهناك سفن يمكن أن تمر، ليس لأنها تملك فقط حق العبور وفق القانون الدولي، بل لأنها تقع خارج تعريف "الخصم" أو باعتبارها طرفاً محايداً بعد التنسيق المسبق مع طهران. وهكذا أصبح المضيق يعمل بمنطق الفرز السياسي للملاحة، لا بمنطق الفتح أو الإغلاق فقط.

من يمر فعلياً؟
تجلى أثر هذه القاعدة على الواقع البحري، إذ أظهرت بيانات تتبع السفن مرور ناقلتين هنديتين للغاز البترولي المسال، "باين غاز" و"جاغ فاسانت"، في اتجاه الهند، بينما بقيت غالبية السفن الأخرى عالقة داخل الخليج. وأفادت رويترز أن "باين غاز" أرسلت رسالة تعريفية أكدت أن سفينتها وطاقمها هندي، وهو ما أصبح بمثابة إعلان موقف مفاده أنها ليست طرفاً في الحرب ولا امتداداً لخصم مباشر.

مع ذلك، لا يعني عبور هاتين الناقلتين انفراج الأزمة، إذ تشير التقديرات إلى أن حركة السفن تراجعت نحو 95% عن مستويات ما قبل الحرب، وما زال نحو 20 ألف بحار عالقين في الخليج. وتواصل المنظمة البحرية الدولية العمل على توفير ممر آمن من دون جدول زمني محدد.

ممر بالاستثناء:
أصبح هذا التحول قضية دولية وليس إيرانياً داخلياً فقط، إذ طلب وزير الخارجية الكوري الجنوبي من نظيره الإيراني ضمان سلامة أكثر من 20 سفينة كورية وطاقمها، معتمدة سيول على الشرق الأوسط لنحو 70% من واردات النفط و20% من الغاز الطبيعي المسال. كما ظهرت مقترحات بحرينية في مجلس الأمن الدولي تسمح باستخدام "كل الوسائل الضرورية" لحماية الشحن التجاري في هرمز، رغم صعوبة تمريرها بسبب احتمالات اعتراض روسي وصيني.

وتشكل حالة "الممر بالاستثناء" تحدياً أكبر من مجرد خطر الصواريخ أو الألغام، إذ تصبح التجارة العالمية مرتبكة أمام نظام مرور قائم على التمييز بين السفن والهوية السياسية، حيث يمر من ينسق ويثبت أنه غير طرف في المعركة، بينما يبقى الآخرون في الانتظار.

وبذلك، يمكن القول إن مضيق هرمز لم يعد مغلقاً بالكامل، لكنه لم يعد مفتوحاً كما كان، بل أصبح ممرّاً يعتمد على استثناءات سياسية وتنظيمية، مع انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والقدرة على التحرك في المنطقة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7