اتسعت العمليات الإسرائيلية داخل إيران منذ بدايتها لتشمل استهداف قيادات عليا في الدولة، بالتوازي مع ضرب منشآت ومواقع مختلفة، في مسار ترافق مع خطاب سياسي إسرائيلي يدعو إلى تحريك الشارع الإيراني.
ففي الضربة الأولى للحرب، استهدفت إسرائيل بشكل مباشر قادة بارزين في هرم السلطة، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس هيئة الأركان عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني.
واستمر هذا النهج خلال الأسابيع التالية، حيث شملت الاغتيالات شخصيات إضافية، من بينها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، ما يعكس توجها نحو توسيع بنك الأهداف ليشمل مستويات متعددة من القيادة السياسية والعسكرية.
وفي الأول من مارس/آذار 2026، أعلنت إسرائيل مقتل 40 قائدا داخل إيران، في مؤشر على اتساع نطاق العمليات. وتزامن ذلك مع خطاب مصور لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باللغة الفارسية، دعا فيه الإيرانيين إلى التظاهر والنزول إلى الشوارع.
ومنذ ذلك الوقت، تكررت الدعوات الإسرائيلية العلنية للاحتجاج، مع ربط واضح بين استمرار الضربات العسكرية وإمكانية الضغط على النظام من الداخل، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العمليات تتجاوز أهدافها العسكرية إلى تحقيق تأثير سياسي.
وجاء هذا التصعيد في ظل سياق داخلي إيراني كان قد شهد احتجاجات قبل اندلاع الحرب، حيث بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 من بازار طهران بسبب تراجع سعر العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى.
إلا أن هذه الاحتجاجات تراجعت مع اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، في ظل تشديد الإجراءات الأمنية وظهور حالة من التماسك الداخلي، حيث أعلنت السلطات لاحقا اعتقال مئات الأشخاص وتنفيذ أحكام بحق مدانين على خلفية تلك الاحتجاجات.
وفي ظل استمرار الاغتيالات واتساع قائمة المستهدفين، برزت تحليلات تربط بين الضغط العسكري ومحاولة التأثير في بنية الحكم داخل إيران، رغم عدم إعلان إسقاط النظام كهدف مباشر.
وفي هذا السياق، صرح نتنياهو بأن تغيير النظام ليس هدفا معلنا، لكنه قد يكون نتيجة محتملة، فيما أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أن أي تحول داخلي يبقى مرتبطا بما يجري داخل إيران نفسها.
في المقابل، قدمت طهران هذه العمليات على أنها محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي، ودعت إلى تحرك إقليمي لمواجهتها. وفي 19 مارس/آذار، أجرى وزير الخارجية الإيراني اتصالات مع نظرائه في تركيا ومصر وباكستان، داعيا إلى ما وصفه باليقظة في مواجهة التصعيد.
وأظهرت تداعيات الاغتيالات أثرا داخل دوائر صنع القرار، حيث أدى اغتيال علي لاريجاني إلى زيادة الغموض داخل هرم السلطة، وتقليص خيارات القيادة، مع تعزيز دور الحرس الثوري في إدارة المرحلة.
لكن هذا التأثير لم ينعكس بشكل مباشر على الشارع، إذ لم تؤد الضربات إلى اندلاع موجة احتجاجات جديدة، بينما أشارت تقديرات إلى استمرار تماسك النظام، في ظل أولوية الأمن خلال فترة الحرب.
كما أن طبيعة الاغتيالات والعمليات العسكرية في سياق الصراع قد تسهم في تعزيز المشاعر الوطنية، بدلا من دفع الشارع إلى التحرك، وهو ما يفسر غياب استجابة واسعة للدعوات الإسرائيلية.
وفي موازاة ذلك، بدا الموقف الأمريكي أكثر تركيزا على أهداف عسكرية محددة، حيث أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن أهداف بلاده تقتصر على تدمير قدرات الصواريخ، وإضعاف الصناعات الدفاعية والبحرية الإيرانية، ومنع امتلاك سلاح نووي.
كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل ضربات كانت تستهدف شبكة الكهرباء الإيرانية، مشيرا إلى وجود محادثات إيجابية مع طهران، وهو ما نفته الأخيرة.
وتشير المعطيات حتى الآن إلى أن الاغتيالات الإسرائيلية أسهمت في إحداث ضغط داخل دوائر القرار الإيراني وإعادة ترتيب مراكز القوة، لكنها لم تؤد إلى تغيير سياسي حاسم أو إلى اندلاع احتجاجات واسعة.
وبين خطاب إسرائيلي يربط هذه العمليات بإضعاف النظام من الداخل، ورواية إيرانية تعتبرها محاولة لزعزعة الاستقرار، يبقى التأثير الفعلي لهذه السياسة محصورا في إرباك قمة السلطة أكثر من إحداث تحول في الشارع.