مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الرابع، تتجه الأنظار إلى مسارها المقبل وسط مؤشرات متناقضة بين تصعيد عسكري محتمل وملامح تحرك دبلوماسي قد يفتح الباب أمام التهدئة. هذا التداخل بين المسارين يعكس مرحلة دقيقة، حيث لم تعد الخيارات مفتوحة كما في بداية المواجهة، بل باتت محكومة بعوامل الكلفة والنتائج والوقت.
ميدانيًا، لا تزال الضربات مستمرة على مواقع حساسة، من بينها منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، في وقت تتصاعد فيه التهديدات برفع وتيرة العمليات خلال الأيام المقبلة. وتُطرح في هذا السياق سيناريوهات توسيع العمل العسكري، بما يشمل استخدام أدوات أكثر تعقيدًا، وربما تنفيذ عمليات محدودة في نقاط استراتيجية، وهو ما يعكس محاولة فرض معادلة جديدة قبل أي تسوية محتملة.
لكن في المقابل، تتزايد الإشارات إلى أن سقف العمليات العسكرية قد يكون اقترب من حدوده. فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن الأهداف “الأسهل” قد استُنزفت، وأن أي تصعيد إضافي سيحمل كلفة أعلى ومخاطر أكبر، سواء على مستوى اتساع رقعة المواجهة أو على صعيد التداعيات الاقتصادية والسياسية.
العامل الزمني يلعب دورًا حاسمًا في هذه المرحلة. فالإطار الذي جرى الحديث عنه في بداية الحرب كحملة قصيرة بدأ يضيق، ومع دخول الأسبوع الرابع، يتزايد الضغط لإنهاء العمليات قبل تحولها إلى صراع مفتوح بلا أفق واضح. هذا الضغط لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الداخل السياسي، حيث تتزايد التساؤلات حول جدوى الاستمرار في ظل غياب مخرج واضح.
اقتصاديًا، تبرز كلفة الحرب كأحد أبرز دوافع التهدئة. فقد شهدت أسواق الطاقة اضطرابات حادة، مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار وتراجع الإمدادات، ما انعكس على تكاليف النقل والصناعة والغذاء. كما أن أي تهديد للممرات الحيوية في المنطقة يضيف طبقة جديدة من القلق العالمي، خصوصًا مع ارتباطها بتدفق النفط والمواد الأساسية.
أما على المستوى السياسي، فتتزايد الضغوط الداخلية مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل استمرار الحرب عبئًا يصعب تحمله لفترة طويلة. هذه المعطيات مجتمعة تدفع نحو البحث عن مخرج يحفظ التوازن بين تحقيق مكاسب ميدانية وتجنب الانزلاق إلى استنزاف طويل.
في هذا السياق، برزت خلال الساعات الأخيرة معطيات تشير إلى نقاشات أولية حول مرحلة ما بعد العمليات، واحتمال فتح مسار تفاوضي. ووفق ما يتم تداوله، فإن هذه النقاشات تشمل أفكارًا تتعلق بوقف إطلاق النار، وتقديم ضمانات بعدم تجدد المواجهة، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالملف النووي والاقتصادي.
وتتضمن الطروحات المتداولة شروطًا متبادلة، من بينها قيود على بعض البرامج العسكرية، مقابل خطوات اقتصادية قد تشمل إعادة أصول مالية أو تخفيف قيود معينة. ومع ذلك، لا تزال هذه الأفكار في مراحلها الأولية، وتخضع لحسابات معقدة تتعلق بالتوازنات الميدانية والسياسية.
المفارقة في هذه المرحلة أن خطاب “النصر” يتصاعد بالتوازي مع الحديث عن التفاوض، وهو ما يعكس محاولة كل طرف تثبيت موقعه قبل أي تسوية. لكن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن الحسم الكامل لا يزال بعيدًا، وأن أي خطوة قادمة ستكون إما تصعيدًا عالي المخاطر أو بداية مسار طويل من التفاوض.
في المحصلة، يقف مسار الحرب عند نقطة فاصلة: إما اندفاعة أخيرة نحو تصعيد أكبر لمحاولة فرض وقائع جديدة، أو انتقال تدريجي نحو التهدئة تحت ضغط الكلفة والوقت. وبين هذين الخيارين، ستحدد الأيام القليلة المقبلة شكل المرحلة التالية، وما إذا كانت المواجهة تتجه نحو الانفراج أو نحو فصل أكثر تعقيدًا.