تتصاعد التساؤلات داخل الأوساط السياسية في واشنطن بشأن طبيعة التحرك الأمريكي الأخير في مياه الخليج، وما إذا كان يعكس استجابة ظرفية للأحداث أم تحولاً استراتيجياً أوسع في إدارة الصراع في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو وضع مضيق هرمز في صلب أولوياتها السياسية والعسكرية.
تتزايد التساؤلات في واشنطن منذ مطلع هذا الأسبوع حول طبيعة التحرك الأمريكي الأخير في مياه الخليج، وما إذا كان توجه إدارة الرئيس ترامب لجعل أزمة مضيق هرمز محور استراتيجيتها في إدارة الصراع القائم في الشرق الأوسط يمثل مجرد “رد فعل طارئ” أو “استراتيجية مدروسة” لإعادة تشكيل موازين القوى.
ويكتسب هذا التساؤل زخماً في ظل الرسائل المتتابعة الصادرة عن الإدارة الأمريكية، التي تعكس توجهاً نحو بناء تحالفات دولية جديدة خارج الأطر التقليدية التي اعتمدتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يضع علاقاتها التاريخية مع أوروبا وآسيا أمام اختبار حقيقي.
ويرى دبلوماسيون غربيون في واشنطن أن مساعي ترامب لتشكيل “تحالف هرمز” ساهمت في تعميق الفجوة مع الشركاء التقليديين، حيث تهدف هذه الاستراتيجية إلى فرض سيطرة دولية على المضيق بهدف تقليص النفوذ الإيراني، ما أضاف تعقيدات جديدة إلى العلاقات عبر الأطلسي.
ورغم وجود خلافات سابقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، فإنها لم تصل سابقاً إلى مستوى أزمة ثقة حقيقية، إلا أن الموقف الأوروبي الحالي، الذي يتراوح بين التحفظ والرفض، خصوصاً من دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، يعكس تحولاً غير مألوف في السياسات الأمنية الأوروبية.
وبحسب مقربين من الإدارة، فإن الاتصالات التي أجراها الوزير ماركو روبيو مع الأوروبيين لم تنجح في تبديد مخاوفهم، حيث أبدى المسؤولون الأوروبيون استياءهم من غياب التنسيق المسبق، معتبرين أنهم وُضعوا أمام واقع جديد دون مشاركة في صياغته.
من جهة أخرى، أشار مسؤول في إدارة الرئيس السابق جو بايدن إلى أن العلاقات عبر الأطلسي تستند إلى تقاليد راسخة، إلا أن المرحلة الحالية تشهد أزمة ثقة غير مسبوقة، زادت حدتها تصريحات ترامب التي اتهم فيها الحلفاء بالتخلي عن الولايات المتحدة رغم عقود من الدعم.
ويرى دبلوماسيون أن هذه التصريحات قد تزيد من تعقيد العلاقات، خاصة في ظل التزامات الدفاع الجماعي ضمن حلف شمال الأطلسي، والتي لا يمكن التشكيك بها بسهولة من قبل الدول الأعضاء.
كما يشير قادة جمهوريون وسطيون إلى أن سعي الإدارة لإنشاء تحالفات بديلة أضعف الثقة مع الحلفاء، وهو ما ظهر سابقاً في ملف أوكرانيا، لكنه ازداد تعقيداً مع طرح مبادرات جديدة مثل مجلس السلام الدولي.
وفي ظل الحرب المرتبطة بإيران، ارتفع مستوى الخلاف إلى درجة غير مسبوقة، إذ يرتبط النقاش الحالي بموقف الحلفاء من صراع قائم، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى تقديم رواية مفادها أن الولايات المتحدة تخوض المواجهة نيابة عن الآخرين.
ولم يكشف ترامب عن الدول المشاركة في “تحالف هرمز”، إلا أن المؤشرات تشير إلى أنها خارج دائرة التحالفات التقليدية، في ظل تحفظ أوروبي وآسيوي، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية، ما قد يدفع واشنطن للاعتماد على شركاء جدد.
ويرى خبراء أن دعوة الصين للمشاركة تهدف إلى وضعها أمام اختبار دولي، خاصة أنها تعتمد بشكل كبير على الطاقة المارة عبر المضيق، ما يجعل موقفها محل متابعة دولية.
وفي سياق أوسع، تسعى الإدارة الأمريكية إلى ترسيخ صورة أنها تقود مواجهة ذات طابع دولي، رغم امتلاكها احتياطيات طاقة تقلل من تأثرها المباشر بالأزمة، مقارنة بغيرها من الدول.
كما تهدف هذه السياسة إلى فرض عزلة سياسية على إيران، عبر تصويرها كطرف يهدد الاقتصاد العالمي من خلال ممارساته في مضيق هرمز، وتأثير ذلك على تدفقات الطاقة العالمية.
تعكس هذه التحركات تحولاً معقداً في الاستراتيجية الأمريكية، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الدولية وتوازنات القوى في المنطقة.