لاريجاني بين السياسة والفلسفة.. العقل المدبر للأمن القومي

2026.03.17 - 03:02
Facebook Share
طباعة

يتقدم علي لاريجاني إلى واجهة القرار الإيراني بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في بنية النظام السياسي والأمني، جامعًا بين خلفية فلسفية عميقة وخبرة طويلة في إدارة الملفات الحساسة منذ تعيينه في 5 أغسطس 2025 أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، أصبح في موقع مباشر داخل دائرة صناعة القرار، في لحظة تتسم بتصاعد غير مسبوق في التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وُلد في 3 يونيو 1958 بمدينة النجف العراقية، في أسرة دينية وسياسية ذات نفوذ واسع، قبل أن تعود عائلته إلى إيران عام 1961. تنحدر الأسرة من منطقة لاريجان في محافظة مازندران، وتُعد من أبرز العائلات التي رسخت حضورها داخل مؤسسات الدولة، حيث شغل عدد من إخوته مناصب عليا في القضاء والدبلوماسية والأوساط الأكاديمية، ما منح العائلة ثقلًا ممتدًا داخل النظام.
في مساره العلمي، جمع بين العلوم الدقيقة والفلسفة، فحصل على بكالوريوس في الرياضيات وعلوم الحاسوب من جامعة شريف التقنية عام 1979، ثم واصل دراساته العليا في جامعة طهران لينال الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الغربية، مع تركيز خاص على فلسفة إيمانويل كانط. هذا التكوين المزدوج أتاح له الجمع بين التفكير التحليلي الصارم والرؤية النظرية، وهو ما انعكس لاحقًا في أدائه السياسي.
بعد الثورة الإسلامية، التحق بالحرس الثوري عام 1982، وتدرج في صفوفه حتى وصل إلى موقع نائب القائد عام 1992، مع توليه مسؤوليات تتعلق بالإشراف الإعلامي والثقافي، المسار العسكري لم يدم طويلًا، إذ انتقل إلى العمل الحكومي، حيث شغل سلسلة من المناصب التنفيذية المؤثرة، بدأت بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بين 1994 و1997، ثم رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون بين 1997 و2004، وهي مرحلة لعب خلالها دورًا في صياغة الخطاب الإعلامي الرسمي وتعزيز السيطرة على المحتوى الإعلامي.
في عام 2005، تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وقاد خلال تلك الفترة المفاوضات النووية مع القوى الدولية، قبل أن يغادر المنصب عام 2007 على خلفية خلافات تتعلق بإدارة الملف النووي. لاحقًا، انتقل إلى رئاسة مجلس الشورى الإيراني، حيث بقي في هذا الموقع لثلاث دورات متتالية بين 2008 و2020، وأسهم في إدارة التشريعات الكبرى وتوجيه السياسات العامة، خاصة في الملفات المرتبطة بالعلاقات الخارجية والبرنامج النووي.
خلال هذه السنوات، ترسخ موقعه كأحد أبرز وجوه التيار المحافظ البراغماتي، مع قدرة على التحرك داخل توازنات معقدة بين المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية. ورغم تعرضه لانتقادات من التيار الإصلاحي، وخلافاته مع بعض القيادات، حافظ على حضوره كلاعب مركزي داخل النظام.
عاد اسمه بقوة في يونيو 2024 بعد تقدمه للترشح في الانتخابات الرئاسية المبكرة عقب وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في 19 مايو 2024، غير أن مجلس صيانة الدستور استبعده من السباق، وهو قرار أثار جدلًا داخليًا حول معايير القبول والاستبعاد.
توليه أمانة مجلس الأمن القومي مجددًا في 2025 جاء في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد في 20 أكتوبر من العام نفسه، أعلن إلغاء اتفاق تعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة عكست تصاعد التوتر مع المؤسسات الدولية، مع تأكيد استمرار تطوير القدرات العسكرية.
في فبراير 2026، جرت مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط بوساطة عمانية، اقتصرت على تبادل رسائل دون طرح مقترحات تفصيلية، مع تمسك طهران بحصر النقاش في الملف النووي.
تزامن ذلك مع تصعيد عسكري واسع، بلغ ذروته في 28 فبراير 2026، عندما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استهدفت مواقع داخل إيران، شملت طهران، وأسفرت عن مقتل قيادات بارزة، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وفق الرواية الإيرانية.
في هذا السياق، ظهر لاريجاني بخطاب حاد أعلن فيه أن الرد الإيراني سيكون واسعًا وقاسيًا، مع تأكيد جاهزية الدولة لإعادة ترتيب القيادة وفق الأطر الدستورية، واستمرار عمل المؤسسات دون انهيار كما تضمن الخطاب تحذيرًا مباشرًا من استهداف أي قواعد عسكرية تُستخدم في عمليات ضد إيران، مع توسيع نطاق التهديد ليشمل المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
لاحقًا، أعلن الجيش الإسرائيلي في 16 مارس 2026 تنفيذ ضربة في طهران استهدفته إلى جانب قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني، ضمن سلسلة عمليات استهدفت عشرات القادة، غير أن وكالة "مهر" الإيرانية نفت مقتله، مؤكدة أنه على قيد الحياة وسيصدر بيانًا قريبًا.
في موازاة التصعيد، استمر في إدارة مسار سياسي موازٍ، قائم على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ضمن حدود محددة، دون تقديم تنازلات تتجاوز الملف النووي هذا الجمع بين العمل الأمني والخطاب السياسي والقدرة على التحرك في مسارات متوازية جعله أحد أبرز العقول التي تدير المرحلة الحالية داخل إيران.
يمتلك لاريجاني أيضًا إنتاجًا فكريًا في الفلسفة، خاصة في تناول فلسفة كانط، حيث نشر عدة كتب ودراسات، إلى جانب أعمال تناولت قضايا الدولة الحديثة والعلاقة بين السلطة والمجتمع، ما يعزز صورته كشخصية تجمع بين الفكر والتنفيذ.
في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وحالة اشتباك مفتوح مع قوى دولية وإقليمية، يتصدر لاريجاني مشهد إدارة الأزمات داخل إيران، من موقع يربط بين الأمن والسياسة والتفاوض، في مرحلة تتسم بتشابك المسارات وتعقيد الحسابات. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1