بدأت وزارة الدفاع السورية تنفيذ عملية تقييم واسعة لضباط المؤسسة العسكرية، في إطار خطة تهدف إلى إعادة تنظيم الجيش وبناء هيكلية عسكرية تعتمد على الكفاءة المهنية والخبرة العملية، بدلًا من البنية الفصائلية التي سادت خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار تعمل من خلاله الوزارة على تحويل التشكيلات العسكرية المتعددة الخلفيات إلى مؤسسة عسكرية أكثر انضباطًا ومأسسة، تعمل وفق معايير عسكرية موحدة، وتشبه الجيوش النظامية الحديثة.
عملية التقييم تشمل آلاف الضباط العاملين في مواقع قيادية وباختصاصات مختلفة داخل الجيش. ووفق ما أعلنت وزارة الدفاع، فإن هذه العملية تُشرف عليها القيادة العليا للمؤسسة العسكرية، وعلى رأسها رئيس هيئة الأركان اللواء علي النعسان، إلى جانب لجان متخصصة متعددة.
تركز الاختبارات بشكل خاص على ضباط وقادة المشاة، وتتناول عدة مجالات عسكرية رئيسية مثل الطبوغرافيا، والتكتيك العسكري، والقدرة على قراءة الخرائط. وتهدف هذه الاختبارات إلى قياس المهارات القيادية والمعرفية للضباط، ومدى قدرتهم على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية في الظروف الميدانية.
كما أشارت الوزارة إلى أن نتائج التقييم ستستخدم لتوزيع المهام والمسؤوليات داخل الجيش بناءً على الخبرة الفعلية والقدرات المهنية، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى. ومن المتوقع أن تسهم هذه العملية أيضًا في إنشاء قاعدة بيانات متكاملة لتصنيف الضباط وفق الاختصاص والخبرة.
إلى جانب ذلك، ستتيح عملية التقييم للضباط الذين لم يتخرجوا من المؤسسات الأكاديمية العسكرية فرصة استكمال مسارهم التعليمي عبر برامج تدريبية منظمة، بهدف رفع مستوى التأهيل العلمي والعملي للكوادر العسكرية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.
مراحل التقييم والضباط المستهدفون
بحسب معلومات حصلت عليها “عنب بلدي” من أحد كوادر وزارة الدفاع، فإن المرحلة الأولى من عملية التقييم شملت قادة الأركان وقادة الكتائب والألوية، إضافة إلى رؤساء الأقسام والمكاتب العسكرية.
ومن المقرر أن تشمل المراحل اللاحقة قادة السرايا وضباط العمليات العاملين ضمن الألوية العسكرية.
الاختبارات لم تقتصر على الجوانب العسكرية التقليدية فقط، بل تضمنت أيضًا أسئلة تتعلق بسلوك الضباط والعناصر، إضافة إلى أسئلة تحليلية وتكنولوجية وتكتيكية ونفسية.
وبحسب المعلومات المتاحة، لم تكن هذه الاختبارات سهلة، إذ حصل عدد من الضباط الميدانيين على تقييمات منخفضة، رغم أنهم يشغلون مواقع قيادية مهمة ولديهم خبرة ميدانية اكتسبوها خلال سنوات الثورة.
الرتب العسكرية وهيكل القيادة
تتوزع الرتب العسكرية في الجيش السوري، وفق ما نشرته صحيفة “الثورة السورية” الرسمية، على ثلاثة أصناف رئيسية ضمن مستويين أساسيين.
الفئة الأولى هي الضباط الأمراء، وهي أعلى مستوى قيادي في الجيش، وتضم أربع رتب: فريق، عماد، لواء، وعميد. ويتم تعيين هؤلاء الضباط بمراسيم جمهورية خاصة.
ويمثل ضباط هذه الفئة الدائرة العليا للقيادة العسكرية، إذ يتولون مسؤولية التخطيط الاستراتيجي ووضع السياسات الدفاعية، كما يشغلون المناصب العليا مثل وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقادة الفرق والألوية. ويشكلون كذلك حلقة الوصل بين القيادة السياسية والجيش.
أما الفئة الثانية فهي الضباط القادة والأعوان، وهم العمود التنفيذي والميداني للمؤسسة العسكرية، ويتولون إدارة الوحدات العسكرية وتنفيذ الخطط التي تضعها القيادة العليا.
ويضم هذا المستوى ست رتب عسكرية، ثلاث منها للضباط القادة (عقيد، مقدم، رائد)، وثلاث أخرى للضباط الأعوان (نقيب، ملازم أول، ملازم). وتتم ترقيتهم عادة بناءً على سنوات الخدمة في الرتبة العسكرية، إضافة إلى المناصب التي يشغلها الضابط داخل المؤسسة العسكرية.
دمج الخبرة الميدانية بالتأهيل الأكاديمي
يرى الخبير العسكري العميد عبد الله الأسعد أن إعادة هيكلة الجيش السوري تقوم على فكرة أساسية تتمثل في دمج الخبرة القتالية التي اكتسبها المقاتلون خلال 14 عامًا من المعارك مع التأهيل الأكاديمي العسكري.
وأوضح أن هذه العملية تعتمد على توزيع المقاتلين وفق اختصاصاتهم العسكرية ضمن القوات البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى إرسال العناصر الذين يمتلكون مؤهلات تعليمية مناسبة إلى الكليات العسكرية.
وبحسب الأسعد، فإن العناصر الذين يحملون شهادات ثانوية أو جامعية قد يتم نقلهم بعد تقييمهم إلى الكليات الحربية، حيث يخضعون لدورات تدريبية تشمل دراسة مختلف صنوف الأسلحة، إضافة إلى التكتيكات العسكرية وأساليب التدريب الحديثة.
وبعد إتمام هذه الدورات، يتخرج المتدربون كضباط برتبة ملازم، لينضموا إلى الجيش ضمن هيكلية تعتمد على كليات ومعاهد وأكاديميات عسكرية متخصصة.
وأكدت وزارة الدفاع أن الضباط سيحصلون على رتبهم العسكرية وفق آلية تنظيمية محددة، تهدف إلى بناء مؤسسة عسكرية احترافية تقوم على الانضباط والقوانين، وتمنح المناصب القيادية وفق الكفاءة والخبرة والتحصيل العلمي.
وترى الوزارة أن عملية تقييم الضباط تمثل خطوة أساسية في مسار إعادة بناء الجيش السوري، إذ ستساهم في إدخال المؤسسة العسكرية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا واستقرارًا، اعتمادًا على بيانات دقيقة وتصنيف عادل للكفاءات.
تأثير الإجراءات على بناء الجيش
يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد أن الهدف الأساسي من هذه الخطوات هو إعادة بناء مؤسسة عسكرية مركزية تخضع لوزارة الدفاع بشكل كامل.
وأشار إلى أن التركيز الحالي ينصب على إعادة هيكلة الجيش وتنظيم الرتب العسكرية وفق تقييم مهني، بدلًا من الاعتماد على الانتماءات الفصائلية التي كانت سائدة خلال سنوات الثورة.
لكن السيد يرى أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لبناء جيش احترافي، إذ إن نجاحها يعتمد على قدرة الدولة على دمج الفصائل العسكرية المختلفة ضمن مؤسسة واحدة بشكل فعلي، وفرض الانضباط العسكري وبناء عقيدة وطنية موحدة.
وأضاف أن الاختبارات التي تُجرى حاليًا يمكن فهمها في إطار معالجة مشكلة تعدد الرتب العسكرية داخل الفصائل المسلحة خلال سنوات الثورة، حيث كانت الرتب تمنح في كثير من الأحيان دون وجود معايير عسكرية موحدة.
وأوضح أن مرحلة ما بعد التحرير شهدت تشكيل بنية عسكرية بشكل طارئ لسد الفراغ الأمني والعسكري، لكن مع وصول البلاد إلى قدر من الاستقرار النسبي أصبح من الضروري إعادة تقييم هذه البنية وإعادة تنظيمها.
لذلك، تعمل وزارة الدفاع على مراجعة أوضاع الضباط والعناصر ومنح الرتب العسكرية وفق معايير مهنية تعتمد على الكفاءة والخبرة العسكرية الحقيقية.
الفرق بين الجيش السابق والنموذج الجديد
بحسب الباحث معتز السيد، فإن هناك اختلافًا واضحًا بين طبيعة الجيش في عهد النظام السابق والنموذج الذي تسعى الدولة لبنائه حاليًا.
ففي السابق كان الجيش مرتبطًا بشكل وثيق بالسلطة السياسية، وتم تنظيمه بطريقة تهدف أساسًا إلى حماية النظام الحاكم أكثر من كونه مؤسسة وطنية تخدم الدولة.
أما الهيكلية الجديدة، فتهدف نظريًا إلى بناء جيش وطني يخضع لمؤسسات الدولة وليس للفصائل أو الشخصيات العسكرية، بحيث يتم الانتقال تدريجيًا من مرحلة التعدد الفصائلي إلى مؤسسة عسكرية موحدة تعمل ضمن إطار وطني جامع.
خطوات سابقة لإعادة تنظيم الجيش
كانت أولى الخطوات في مسار إعادة بناء الجيش حل الجيش السوري السابق، وذلك ضمن القرارات التي أعلن عنها “مؤتمر النصر” في 29 كانون الثاني 2025.
وبعد سقوط النظام، أنشأت الإدارة السورية الجديدة وزارة الدفاع بقيادة المهندس مرهف أبو قصرة، الذي مُنح رتبة لواء بقرار من القيادة العامة، إلى جانب عدد من القادة العسكريين الذين حصلوا على رتب تتراوح بين عقيد وعميد ولواء.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الوزارة العمل على بناء هيكلية جديدة للجيش، كان من أبرز خطواتها حل الفصائل المسلحة ودمجها ضمن 25 فرقة عسكرية موزعة على مختلف المناطق السورية.
ومع بداية عام 2025 عقدت وزارة الدفاع سلسلة اجتماعات مع أكثر من 130 وحدة عسكرية وفصيلًا مسلحًا، كما شكلت لجانًا عليا لتنظيم بيانات الموارد البشرية، وعملت على إعداد نظام إداري جديد ينظم العلاقة بين الجوانب الإدارية والعسكرية داخل الوزارة.
وبحسب معلومات حصلت عليها “عنب بلدي”، فإن الفصائل الكبيرة اندمجت بمعظم كوادرها ضمن فرق عسكرية كاملة، بينما انضمت الفصائل الصغيرة كألوية داخل هذه الفرق.
كما أعلنت الوزارة عن قرارات لإعادة الضباط المنشقين إلى صفوف الجيش، ومنحت عددًا من كبار الضباط مواقع قيادية داخل المؤسسة العسكرية.
تحديات دمج الفصائل العسكرية
رغم هذه الخطوات، يرى الباحث معتز السيد أن التحدي الأكبر ما يزال يتمثل في دمج الفصائل المسلحة داخل الجيش بشكل حقيقي وليس شكليًا فقط.
فعلى الرغم من أن معظم التشكيلات العسكرية أصبحت اليوم ضمن إطار وزارة الدفاع، إلا أن بعض مظاهر الفصائلية لا تزال موجودة، إضافة إلى تأثير العامل المناطقي داخل بعض التشكيلات.
لذلك يؤكد السيد أن من الضروري العمل تدريجيًا على تفكيك هذه البنية الفصائلية وبناء هوية عسكرية موحدة تقوم على الانتماء للمؤسسة العسكرية وليس للفصيل أو المنطقة.
كما يشير إلى أهمية تطوير نظام تدريب عسكري موحد، ووضع معايير واضحة للترقيات والتعيينات، والاستفادة من الخبرات العسكرية المتوفرة.
ويتمثل الهدف النهائي لهذه الجهود في بناء مؤسسة عسكرية احترافية يكون فيها السلاح وقرار استخدامه محصورًا بالدولة، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويؤسس لجيش وطني قادر على أداء مهامه بكفاءة.