إيران والفخ الأميركي: هل تتكرر أخطاء بريطانيا؟

2026.03.14 - 03:16
Facebook Share
طباعة

في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يثير المراقبون تساؤلات حول المخاطر التي قد تواجه واشنطن في الشرق الأوسط، في ظل تكرار نمط استراتيجي تاريخي سبق أن أرهق قوى عظمى من قبل. فبينما تبدو الحرب على إيران خطوة حاسمة لتعزيز النفوذ الأميركي، يحمل التدخل العسكري مخاطر استراتيجية مشابهة لتلك التي ارتكبتها بريطانيا قبل أكثر من قرن، حين استنزفت الإمبراطورية مواردها في مناطق بعيدة عن أولوياتها الأساسية، ما أثر على موقعها العالمي.
خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، كان القادة الأميركيون، بمن فيهم ثلاثة رؤساء متعاقبون، مقتنعين بأن واشنطن تورطت أكثر من اللازم في محاولات إعادة تشكيل مجتمعات الشرق الأوسط، كما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا. ورغم إدراك الكثيرين أن التحديات الأكثر إلحاحاً تكمن في إعادة بناء القاعدة الصناعية الأميركية ومواجهة صعود الصين، وجدت الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى منخرطة في حرب تهدف إلى إعادة تشكيل نظام سياسي في الشرق الأوسط، وهو مسار يثير شكوكاً حول نتائجه المحتملة.
لفهم السياق الحالي، يمكن استحضار تجربة بريطانيا في مطلع القرن العشرين، عندما كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم، بحصة من الناتج العالمي تصل نحو 25% عام 1870، وهي نسبة تقارب ما تمثله الولايات المتحدة اليوم. كانت لندن المركز المالي العالمي، وتمكنت من هزيمة طموحات نابليون في أوروبا ووقف التوسع الروسي خلال حرب القرم لكن بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين، تورطت بريطانيا في سلسلة من الأزمات والاضطرابات في مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا، حيث أرسلت قوات إلى السودان والصومال والعراق والأردن، في تدخلات بدت ضرورية لكنها استنزفت مواردها السياسية والعسكرية وأثقلت كاهل اقتصادها وميزانيتها العامة.
التمرد العراقي عام 1920 مثال بارز، إذ تطلب نشر أكثر من 100 ألف جندي بريطاني وهندي، وتكلف عشرات الملايين من الجنيهات، وهو ما يعادل تقريباً ميزانية التعليم في بريطانيا آنذاك وبينما كانت لندن منشغلة بهذه الأزمات، كانت الولايات المتحدة تبني بصمت أقوى اقتصاد صناعي في العالم، فيما أعادت ألمانيا بناء قوتها الصناعية والعسكرية بعد الحرب العالمية الأولى، ما منحها ميزة تنافسية استراتيجية على الساحة الدولية.
الدروس التاريخية واضحة: القوى الكبرى غالباً لا تنهار بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل نتيجة التمدد المفرط في مناطق هامشية على حساب أولوياتها الاستراتيجية الأساسية.
اليوم تواجه الولايات المتحدة معضلة مشابهة، فهي منخرطة في مواجهة إيران في الشرق الأوسط، بينما تواصل الصين الاستثمار المكثف في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والطاقة المتجددة والروبوتات، وهي المجالات التي ستحدد موازين القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين. في الوقت نفسه، تعمل روسيا على تقويض الأمن الأوروبي والنظام الدولي عبر أدوات الحرب الهجينة، بما في ذلك التدخلات الاقتصادية والهجمات السيبرانية.
التحليل يشير إلى أن الحروب "الصغيرة" تبدو مغرية للقوى الكبرى لأنها توحي بإمكانية تحقيق انتصارات سريعة سياسياً وأخلاقياً، لكنها غالباً ما تتحول إلى استنزاف طويل الأمد للموارد المالية والعسكرية والسياسية. فالتدخل العسكري ضد إيران، حتى لو حقق نجاحاً تكتيكياً، قد يضطر الولايات المتحدة إلى الالتزام بتشكيل مستقبل البلاد السياسي، وإعادة بناء مؤسساتها، وحماية مصالحها على المدى الطويل، وهو ما قد يشتت التركيز عن التحديات الكبرى التي ستحدد شكل النظام الدولي في العقود المقبلة.
حتى لو نجح التدخل، قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتورط العميق في مستقبل إيران السياسي، وهو التزام قد يستنزف مواردها ويصرفها عن مواجهة التحديات العالمية الكبرى، مثل صعود الصين وتحديث البنية الصناعية والاقتصادية، في حين يمكن للقوى المنافسة الاستفادة من هذا الفراغ الاستراتيجي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9