تسود حالة من الغموض والتشويش حول مدى تحقيق الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الجارية ضد إيران. فبينما كان الهدف المعلن في بدايات التصعيد هو إسقاط النظام الإيراني، أصبحت المسارات أكثر ضبابية بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى اقتراب انتهاء العملية العسكرية وتحقيق أهدافها الأساسية. غير أن معطيات الميدان تشير إلى أن بعض الأهداف الرئيسية ما زالت قائمة، وفي مقدمتها ما يُعرف بالمدن الصاروخية الإيرانية تحت الأرض.
تحت الأرض
تشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران تمتلك شبكة واسعة من المدن الصاروخية، وهي منظومات من الأنفاق والمنشآت العسكرية المحصنة تحت الأرض وفي أعماق الجبال. وتُستخدم هذه المواقع لتخزين الصواريخ الباليستية وتجهيزها وإطلاقها، وقد جرى بناؤها لتكون بعيدة عن الاستهداف المباشر.
مواقع متعددة
تنتشر هذه المنشآت في عدة مناطق داخل إيران، ولا سيما في محيط مدن أصفهان وتبريز وكرمنشاه وشيراز، ما يجعلها هدفاً عسكرياً أساسياً في أي حملة تهدف إلى تقويض القدرات الصاروخية الإيرانية.
نتائج الضربات
تفيد تقارير ميدانية بأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية تمكنت من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية. فبحسب هذه التقديرات، تم استهداف آلاف المواقع العسكرية، ما أدى إلى تدمير أكثر من 90% من منصات إطلاق الصواريخ وشبكات القيادة والاتصالات المرتبطة بها.
استنزاف القدرات
ويرى باحثون أن تركيز الضربات، خصوصاً الإسرائيلية، ينصب على تقويض القدرة الصاروخية الإيرانية التي تُعد أبرز أدوات الردع لدى طهران. وقد نشرت وزارة الدفاع الأمريكية مقاطع مصورة تظهر عمليات استهداف منصات إطلاق الصواريخ ضمن هذه الحملة.
المصانع والمخازن
ويشير خبراء إلى أن العمليات العسكرية استهدفت كذلك مخازن الصواريخ ومصانع الطائرات المسيّرة وسلاسل التوريد المرتبطة بها، إضافة إلى مستودعات عسكرية أخرى، وهو ما يفسر تراجع قدرة إيران على إطلاق الصواريخ خلال الأيام الأخيرة.
العقدة الأخيرة
على الرغم من هذه الضربات الواسعة، يرى خبراء أن المدن الصاروخية تحت الأرض لا تزال تمثل أحد أبرز الأهداف العسكرية المتبقية. وقد استخدمت الولايات المتحدة قاذفات B-2 في محاولات استهداف هذه المنشآت، لكن التقديرات تشير إلى أن بعضها ما زال قائماً.
خيارات عسكرية
ويُطرح في هذا السياق احتمالان رئيسيان للتعامل مع هذه المواقع: تنفيذ عمليات إنزال بري لقوات كوماندوز لتدميرها من الداخل، أو استخدام أسلحة غير تقليدية قادرة على اختراق التحصينات العميقة.
إسقاط السلطة
أما الهدف المتعلق بإسقاط النظام الإيراني، فيرى خبراء أنه لن يتحقق من خلال الضربات العسكرية وحدها، بل يتطلب حراكاً داخلياً داخل إيران.
غموض القيادة
ويزداد هذا الغموض مع عدم ظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي حتى الآن في وسائل الإعلام، في ظل إصابة تعرض لها مؤخراً، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة بشأن مستقبل القيادة السياسية في البلاد.
إدارة المعركة
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يقود حالياً إدارة المعركة السياسية والعسكرية من طهران، في وقت يُستبعد فيه حدوث احتجاجات داخلية واسعة خلال فترة الحرب، إذ يرجح أن تظهر مثل هذه التحركات بعد توقف الضربات.
الهدف النووي
من بين الأهداف الرئيسية التي لم تُحسم بعد، ملف اليورانيوم المخصب الذي يُقدَّر بنحو 400 كيلوغرام، والذي لم تتمكن العمليات العسكرية حتى الآن من الوصول إليه.
خيارات التعامل
ويرى خبراء أن الولايات المتحدة تسعى إما إلى انتزاع هذه الكمية عبر عملية استخباراتية–عسكرية ونقلها إلى موقع آمن، أو التوصل إلى اتفاق مع طهران يقضي بتسليمها ضمن تسوية سياسية.
حصيلة الحرب
يؤكد خبراء أن الضربات التي نُفذت حتى الآن ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، إذ جرى تحطيم ما لا يقل عن 60% من قدراتها العسكرية الأساسية، إضافة إلى مقتل المرشد السابق علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين.
قوة باقية
ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أنه لا يمكن القول إن إيران فقدت كامل قدرتها العسكرية، إذ لا تزال تمتلك قوة على الأرض، خصوصاً في ما يتعلق بالترسانة الصاروخية.
فجوة الإرادة
يرى محللون أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم توافق الإرادة السياسية في طهران مع الأهداف الأمريكية، إذ لا تظهر إيران حتى الآن رغبة حقيقية في التفاوض، في حين أن الضربات العسكرية لم تصل بعد إلى حد فرض الاستسلام.
احتمال التصعيد
وقد يؤدي هذا الوضع إلى إطالة أمد الحرب لأسابيع إضافية من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بهدف دفع إيران إلى التفاوض أو إجبارها على تقديم تنازلات كبيرة.
الحسابات الاقتصادية
ورغم الكلفة المرتفعة للحرب، يرى الخبراء أن الولايات المتحدة قد لا تجد صعوبة في تحملها، إذ يمكن تعويض جزء من هذه الكلفة عبر ترتيبات اقتصادية لاحقة مع طهران، خصوصاً في ظل الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
نهاية مفتوحة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب بعيدة عن نهايتها الحاسمة. فبين المدن الصاروخية المحصنة، والملف النووي غير المحسوم، والقيادة الإيرانية التي لا تزال تمسك بخيوط السلطة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل حققت واشنطن أهدافها فعلاً، أم أن المعركة ما زالت في مراحلها الأكثر حساسية؟