شهدت مدينة حمص تصاعدًا غير مسبوق في أعمال القتل العشوائي خلال الشهرين الماضيين، حيث بلغ عدد الضحايا من المدنيين نحو 30 شخصًا، في مؤشر خطير يعكس تدهور الوضع الأمني في أحياء كانت تعد سابقًا آمنة نسبيًا.
آخر الحوادث وقعت في حي كرم اللوز مساء الجمعة 27 شباط، حين أقدم مجهولون على قتل شخصين داخل محل تجاري، ما أعاد إلى الأذهان سلسلة من الجرائم التي طالت المدنيين بشكل متزايد، بعيدًا عن أي سياقات عسكرية أو صراعات سابقة.
سلسلة حوادث دامية
خلال الأيام الماضية، عُثر على جثتي امرأتين مقتولتين داخل منزلهما في حي الزهراء، بينما تعرض شاب يعمل في بيع القهوة بالقرب من دوار الساعة الجديدة للقتل بالرصاص. كما شهد حي “عكرمة الجديدة” مقتل سيدة برصاص مسلحين مجهولين في 23 شباط، ضمن نمط مستمر من الجرائم التي يرتكبها مجهولون.
الناشطة الصحفية حنين أحمد أوضحت أن فريقها التوثيقي سجل مقتل 14 مدنيًا في كانون الثاني و16 آخرين في شباط، مشيرة إلى نمط متكرر: مسلحون على دراجات نارية يخترقون أحياء محاطة بالحواجز الأمنية، ينفذون عمليات قتل مباشرة، ثم ينسحبون بسرعة دون أن يُترك لهم أثر.
وفي البداية، كان الاستهداف يركز على أبناء الطائفة العلوية بنسبة تصل إلى 90%، لكنه امتد لاحقًا ليشمل مدنيين عاديين دون أي صلة بالصراعات أو الأنشطة غير القانونية.
نمط القتل المتنقل
تقرير حقوقي وصف هذه العمليات بـ”القتل المتنقل”، مشيرًا إلى أن استخدام الدراجات النارية يمنح المنفذين سرعة الوصول والانسحاب، محولًا الحياة اليومية في المنازل وأماكن العمل إلى “مجال محتمل للموت المفاجئ”.
الجرائم لم تقتصر على المدنيين فقط، إذ استهدفت في كانون الثاني الماضي كادر “مشفى الكندي”، ما أسفر عن مقتل أربعة من الكوادر الطبية في حادثة مروعة صدمت المدينة.
الخوف اليومي وحظر ذاتي
تحدث مواطنون في حمص عن تأثير هذه الجرائم على حياتهم اليومية، مشيرين إلى أن الرعب دفع الآلاف في بعض الأحياء إلى فرض حظر تجول ذاتي يبدأ عند الخامسة مساءً، خشية التعرض لهجمات مشابهة.
الناشطة حنين أحمد ربطت هذه الأعمال بعوامل سياسية، معتبرة أن استثمارًا طائفيًا في هذه الحالة يهدف إلى تعطيل ملفات الإعمار والعدالة الانتقالية، وتحشيد الشارع بعيدًا عن مساءلة السلطات عن تقاعسها في حماية المدنيين.
خطوات أمنية محدودة
ردًا على هذه الزيادة في جرائم القتل، عقد قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص اجتماعًا موسعًا في 26 شباط، لاستعراض سبل الارتقاء بالكفاءة الأمنية وتحديث الخطط الميدانية. وأكد على تعزيز التنسيق ورفع سرعة الاستجابة للبلاغات لضمان الاستقرار الأمني.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي القبض على متورطين في جريمة قتل وقعت في 13 شباط، والتي ارتكبها الجناة بدافع سرقة سيارة. ومع ذلك، تبقى هذه الحالات قليلة مقارنة بالعدد المتزايد من الجرائم، ما يثير مطالب شعبية متزايدة لضبط الأمن في المدينة.
توصيات حقوقية
تقرير حقوقي طالب السلطات بالتحرك الفوري، من خلال فتح تحقيقات مستقلة لكشف الجناة وتحقيق العدالة، وتعزيز الحماية للمدنيين في المناطق الأكثر تعرضًا للاستهداف، خاصة المناطق ذات الغالبية العلوية.
كما دعا التقرير إلى تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وضمان عدم الإفلات من العقاب. كما ركز على أهمية دعم المجتمع المدني في توثيق الجرائم وتحليل أنماطها الزمنية والجغرافية، وتقديم الدعم النفسي والقانوني لأسر الضحايا.
إن استمرار هذا النمط من العنف يضع حمص على حافة أزمة أمنية متجددة، تجعل من المدنيين رهائن للخوف اليومي، وتعيد المدينة إلى حالة من عدم الاستقرار، رغم مرور سنوات على انتهاء الصراعات الأكبر في المنطقة.