تشهد محافظة حمص عودة متزايدة للأسر السورية بعد سنوات من النزوح واللجوء، في ظل ظروف اقتصادية وخدمية معقدة تعيق تحقيق الاستقرار الكامل. وتبرز ضمن هذه العودة فئة النساء المعيلات، اللواتي يتحملن مسؤوليات إضافية في تأمين السكن والدخل والرعاية الأسرية.
عودة في ظل نقص الخدمات
تفيد معطيات محلية بأن العديد من العائلات العائدة تواجه صعوبات تتعلق بغياب المأوى المناسب، وارتفاع بدلات الإيجار، وضعف فرص العمل، إضافة إلى تراجع الدعم الإنساني. ويؤكد عائدون أن الاستقرار لا يزال هدفًا مؤجلًا بسبب محدودية الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة.
حالة مهنية سابقة في القطاع الصحي
ريم، وهي أم لطفلتين وحاصلة على شهادة معهد صحي، عادت إلى حمص بعد سنوات من التنقل بين عدة مناطق. وتوضح أنها كانت موظفة في مشفى القصير الوطني قبل عام 2012، وتعرضت للاعتقال لفترة قصيرة آنذاك، قبل أن تغادر المدينة لاحقًا إثر العمليات العسكرية.
انتقلت ريم إلى لبنان، ثم عادت إلى سوريا عام 2017، حيث تعرضت للاعتقال مجددًا لفترة امتدت شهرًا، قبل الإفراج عنها. وبعد تنقلها بين مناطق مختلفة، عادت مؤخرًا إلى حمص.
تؤكد ريم أنها لا تملك منزلًا، واستأجرت مسكنًا في أحد أحياء المدينة قبل أن تضطر للانتقال إلى حي آخر بسبب ارتفاع الإيجارات. وتعمل حاليًا في مدرسة لتأمين دخل ثابت، مشيرة إلى أنها تقبل أعمالًا إضافية خارج أوقات الدوام لتغطية النفقات الأساسية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار.
منزل متضرر في ريف حمص
في ريف حمص، عادت رغداء إلى منطقة جوبر بعد سنوات أمضتها في لبنان، عقب اعتقال زوجها واختفائه. وتقول إن منزلها تعرض للحرق والتخريب، ولم يعد صالحًا للسكن عند عودتها.
وأوضحت أن مبادرات أهلية ساهمت في تنفيذ إصلاحات أولية شملت تركيب سقف جزئي ونوافذ، غير أن الخدمات الأساسية ما تزال محدودة، مع انقطاع الكهرباء والمياه بشكل منتظم. وتعتمد الأسرة على وسائل بديلة لتأمين الطاقة والمياه.
وتشير رغداء إلى ضعف فرص العمل في المنطقة، مؤكدة أن أبناءها لم يتمكنوا من العثور على فرص عمل مستقرة، ما يزيد من الأعباء المعيشية.
أرقام رسمية حول العائدين
بحسب خالد الحسن، الموظف في دائرة التخطيط والإحصاء بمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حمص، تم تسجيل نحو 42 ألف أسرة عائدة من مخيمات الشمال السوري ودول الجوار، بينها تركيا ولبنان والأردن.
وأضاف أن قرابة 2800 أسرة تلقت شكلًا من أشكال الدعم أو الخدمات، في حين لا تزال الاحتياجات تفوق الإمكانيات المتاحة. وأوضح أن تراجع التمويل الدولي أدى إلى توقف أو تقليص عمل عدد من الجمعيات والمنظمات، ما انعكس على حجم الاستجابة المقدمة للعائدين.
وأكد أن أبرز التحديات التي تواجه الأسر العائدة تتمثل في انعدام الأمن الغذائي، وضعف سبل العيش، وصعوبة تأمين فرص عمل مستدامة، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية.
احتياجات تتجاوز الاستجابة
تعكس المعطيات الميدانية فجوة واضحة بين حجم الاحتياجات المتزايدة للعائدين وبين مستوى الخدمات المتوفرة حاليًا. ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن تحقيق استقرار فعلي يتطلب خطط دعم طويلة الأمد تشمل إعادة تأهيل المساكن، وتوسيع برامج التمكين الاقتصادي، وتعزيز الخدمات الأساسية.
ومع استمرار عودة الأسر إلى حمص، تبقى مسألة الاستقرار مرهونة بقدرة الجهات المعنية والمنظمات على توفير استجابة أوسع وأكثر استدامة، تضمن انتقال العائلات من مرحلة العودة إلى مرحلة التعافي الفعلي.