شريان الدواء يعود إلى تل أبيض

2026.02.25 - 02:36
Facebook Share
طباعة

 بعد ست سنوات من شحّ الأدوية وصعوبة تأمينها، استعادت مدينتا تل أبيض ورأس العين شمالي سوريا جزءًا من استقرارهما الصحي مع عودة تدفق الإمدادات الدوائية، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة. فتح طريق رأس العين–الرقة غيّر واقعًا عاشه المرضى طويلًا، إذ بدأت الصيدليات تستقبل أصنافًا أساسية كانت مفقودة أو تدخل بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة.

سنوات ثقيلة على المرضى

خلال فترة الحصار، واجه مرضى السكري والقلب والضغط والصرع تحديات قاسية. اضطر كثيرون إلى استخدام بدائل دوائية تركية تختلف في تركيبتها أو نسبها الكيميائية، فيما لجأ آخرون إلى تخفيف الجرعات أو التوقف المؤقت عن العلاج بسبب التكلفة أو صعوبة الوصول. هذا الانقطاع لم يكن مجرد تفصيل يومي؛ بل انعكس مباشرة على الحالة الصحية لعدد من المرضى، وسُجّلت مضاعفات خطرة في بعض الحالات.

محمد السلطان (61 عامًا) من تل أبيض، مصاب بالسكري من النوع الثاني منذ تسع سنوات، يروي أن غياب دوائي “الميتفورمين” و”الأنسولين” وضعه أمام خيارات صعبة. يقول إن اضطراره لتبديل العلاج أو تقليل الجرعات أدى إلى ارتفاعات متكررة في مستوى السكر، ما أثّر على استقراره الصحي وأثقل كاهل أسرته بالقلق الدائم. عودة الدواء إلى الصيدليات أعادت له القدرة على الالتزام بخطته العلاجية بانتظام، وهو ما يصفه بـ“الاستقرار بعد سنوات من التذبذب”.

في رأس العين، يتحدث حماد كرم الدين (55 عامًا) عن معاناته مع دواء “كلوبيدوغريل” المخصص للوقاية من الجلطات. خلال سنوات الانقطاع، كان يؤمّن العلاج عبر وسطاء وبأسعار مرتفعة، أو يستبدله بأصناف مشابهة. يصف تلك المرحلة بأنها “عبء نفسي يومي”، إذ كان أي تأخير في الجرعة يثير مخاوف حقيقية على حياته. اليوم، ومع توفر الدواء مجددًا، يشعر بقدر من الطمأنينة افتقده طويلًا.

ست دفعات… وبداية انتظام

التحسن لم يأتِ تدريجيًا فحسب، بل ظهر بوضوح مع وصول ست شحنات أدوية إلى المدينتين خلال الفترة الأخيرة، بوزن إجمالي بلغ نحو 35 طنًا، قادمة من الرقة وحلب عبر موردين متعاقدين مع شركات أدوية. الشحنات شملت أدوية مزمنة، وأصنافًا أساسية، إضافة إلى “الأنسولين” وأدوية الصرع وحليب الأطفال.

أحد موردي الأدوية أوضح أن آلية إدخال الشحنات تغيّرت، وأن الأدوية باتت تدخل بشكل متتالٍ ومنتظم، بعد أن كانت تواجه عراقيل وقيودًا رفعت تكلفتها على المورد والصيدلي والمريض. ووفق الموردين، ساهمت إزالة الرسوم والإتاوات السابقة في خفض الأسعار، ما انعكس مباشرة على تسعير الأدوية وفق نشرة وزارة الصحة، وبالتالي تقليل العبء المالي على المرضى.

الصيدليات: 90% من الأصناف عادت

الصيدلاني عمار سلمان من تل أبيض يؤكد أن نحو 90% من الأصناف الدوائية باتت متوفرة مجددًا، بعد أن كانت مجموعة كبيرة منها مفقودة لفترة طويلة. يوضح أن الصيادلة كانوا يلجؤون سابقًا إلى تقديم بدائل مشابهة حفاظًا على حياة المرضى، لكنها لم تكن دائمًا مطابقة من حيث التركيبة أو الفعالية.

اليوم، تبدو رفوف الصيدليات أكثر امتلاءً، خاصة بأدوية الأمراض المزمنة التي تشكل العمود الفقري للعلاج طويل الأمد. كما عاد حليب الأطفال السوري إلى الأسواق بعد انقطاع، وهو ما يخفف عبئًا إضافيًا عن العائلات.

بين الجغرافيا والسياسة

تقع تل أبيض ورأس العين بمحاذاة الحدود التركية، وشكّلت خطوط التماس المحيطة بهما خلال السنوات الماضية طوقًا عزل المدينتين عن عمقهما السوري. بعد عملية “نبع السلام” التي أطلقها الجيش التركي بالشراكة مع “الجيش الوطني السوري”، تغيّر المشهد الميداني، لكن العزلة بقيت حاضرة بفعل إغلاق الطرق المؤدية إلى بقية المناطق السورية.

خلال تلك الفترة، اضطر بعض السكان إلى سلوك طرق التهريب للوصول إلى مدن أخرى لتأمين العلاج أو متابعة الحالات الصحية، بتكاليف تراوحت بين 150 و230 دولارًا للشخص الواحد، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر. هذا الواقع جعل من توفر الدواء داخل المدينة مسألة حياة يومية، لا مجرد خدمة صحية.

أثر يتجاوز الدواء

عودة الأدوية لا تعني فقط امتلاء الرفوف، بل تعني عودة انتظام العلاج، وتراجع المضاعفات، وتخفيف الضغط النفسي عن آلاف العائلات. في مدينتين عانتا من العزلة، يشكّل استقرار الإمدادات الصحية خطوة أساسية نحو تعافٍ أوسع، اجتماعيًا واقتصاديًا.

ورغم التحسن الملحوظ، يبقى التحدي في ضمان استمرارية هذا التدفق ومنع تكرار الانقطاع. المرضى الذين عاشوا سنوات من القلق يدركون أن الاستقرار الصحي لا يُقاس بيوم أو شهر، بل بقدرة النظام الدوائي على الصمود أمام أي تغيرات ميدانية أو لوجستية.

في الوقت الراهن، تبدو الصورة أكثر إيجابية: أدوية متوفرة، أسعار أقل نسبيًا، والتزام علاجي يعود تدريجيًا. بعد ست سنوات من شحّ قاسٍ، تستعيد تل أبيض ورأس العين حقًا أساسيًا طال انتظاره… حق الوصول إلى الدواء.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3