شهد ريف دير الزور الشرقي، مساء الثلاثاء 24 شباط، تصعيدًا أمنيًا لافتًا تمثل في خمس هجمات متزامنة استهدفت حواجز ومقار أمنية خلال أقل من ساعة، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف من عودة النشاط المنظم للخلايا المسلحة في المنطقة، وأسفر عن مقتل مدني واحد على الأقل.
وبحسب معطيات ميدانية، قُتل بلال الخضير، وهو مدني يعمل في محل لبيع اللحوم، إثر إطلاق نار في مدينة البوكمال شرقي دير الزور، في توقيت تزامن مع سلسلة استهدافات طالت مواقع تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية. مقتل الخضير، الذي كان يمارس عمله اليومي، أضفى بعدًا إنسانيًا صادمًا على الأحداث، إذ وجد السكان أنفسهم مجددًا في قلب موجة عنف مفاجئة.
وفي البوكمال نفسها، تعرض مقر الفرقة “86” لإطلاق نار بالأسلحة الرشاشة، في رابع حادثة تُسجل خلال أقل من ساعة في المدينة ومحيطها. كما استهدف مجهولون حاجزًا أمنيًا في بلدة الباغوز، إضافة إلى مركز أمني في بلدة السوسة، دون تسجيل إصابات، وفق المعلومات الأولية، فيما فرضت قوى الأمن الداخلي طوقًا أمنيًا حول المواقع المستهدفة.
وامتد الاستهداف إلى بلدة الدحلة بريف دير الزور الشرقي، حيث تعرض حاجز تابع للأمن الداخلي لإطلاق نار، في وقت متقارب مع بقية الهجمات. وفي سياق متصل، اندلعت اشتباكات في بلدة ذيبان عقب أنباء عن تعرض دورية أمنية لهجوم أثناء محاولتها فض نزاع بين عائلتين، ما زاد من حالة التوتر في المنطقة.
تبنٍ رسمي وتصريحات أمنية
في تطور لاحق، تبنى تنظيم “الدولة الإسلامية” هجومين في بيانين منفصلين، أحدهما في محافظة دير الزور والآخر في الرقة. وأعلن مسؤوليته عن استهداف مقر للجيش السوري في مدينة الميادين، ما أدى إلى مقتل عنصر، كما تبنى هجومًا وصفه بـ”الانغماسي” على حاجز في منطقة السباهية غربي مدينة الرقة، مؤكدًا سقوط قتلى وجرحى في صفوف الأمن الداخلي.
من جهتها، أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة الرقة تفكيك خلية قالت إنها تقف وراء الهجومين اللذين استهدفا أحد الحواجز الأمنية خلال اليومين الماضيين. وأوضح قائد الأمن الداخلي في الرقة، العقيد رامي أسعد الطه، أن الوحدات الأمنية نفذت عمليات “نوعية ومتزامنة” استندت إلى معلومات وتحريات دقيقة، أسفرت عن تحييد متزعم الخلية وأحد أفرادها، واعتقال أربعة آخرين، إضافة إلى ضبط أسلحة وذخائر.
وأكد الطه استمرار عمليات التمشيط والملاحقة، مشددًا على ملاحقة كل من يهدد أمن المنطقة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى رفع حالة الجاهزية الأمنية في عدة نقاط بشرق البلاد.
سياق أوسع من التوتر
تأتي هذه التطورات في ظل نشاط متقطع لخلايا يُعتقد ارتباطها بتنظيم “الدولة”، خصوصًا في مناطق البادية السورية وأرياف الرقة ودير الزور، رغم تراجع سيطرته المكانية منذ عام 2019. وترافق التصعيد الأخير مع نشر تسجيل صوتي منسوب إلى متحدث باسم التنظيم، تضمن هجومًا مباشرًا على الحكومة السورية، وإعادة طرح سرديات سياسية وأيديولوجية يسعى التنظيم من خلالها إلى تثبيت حضوره الرمزي.
ويرى مراقبون أن تزامن الهجمات في أكثر من نقطة خلال فترة زمنية قصيرة يعكس محاولة لإرباك الأجهزة الأمنية وإظهار قدرة على التنسيق والتحرك السريع، حتى في ظل الحملات المستمرة ضده. كما أن استهداف الحواجز والمقار الأمنية يهدف، بحسب تقديرات أمنية، إلى تقويض الشعور بالاستقرار وإرسال رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر.
في المقابل، تؤكد السلطات أن العمليات الأمنية الاستباقية مستمرة، وأن التنسيق الاستخباراتي يشهد تعزيزًا ملحوظًا، في محاولة لاحتواء أي تصعيد محتمل. إلا أن مقتل مدني في خضم هذه الأحداث يعيد طرح تساؤلات حول تداعيات الانفلات الأمني على السكان المحليين، الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الهجمات وسندان الإجراءات المشددة.
مشهد قابل للاشتعال
المشهد الأمني في شرق سوريا يبدو هشًا وقابلًا للاشتعال، مع تكرار الاستهدافات وتعدد الجهات المتداخلة في الملف. وبينما تسعى الأجهزة الأمنية إلى تثبيت الاستقرار، تحاول الخلايا المسلحة استثمار أي ثغرة لإعادة التموضع وإثبات الحضور.
اللافت أن التصعيد الأخير جاء بعد أيام من إعلان التنظيم مسؤوليته عن عمليات أخرى استهدفت عناصر تابعة لوزارة الدفاع في شمال شرقي سوريا، ما يشير إلى نسق تصاعدي في البيانات والتبني الإعلامي، بالتوازي مع التحركات الميدانية.
في ظل هذه المعطيات، تبقى دير الزور وريفها الشرقي ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء أمني سريع أو موجة تصعيد أوسع، في منطقة لم تخرج بعد من دوامة الاضطراب التي تعيشها منذ سنوات.