تتصاعد معاناة المهاجرين في البحر المتوسط مع كل محاولة عبور جديدة، حيث يواجه آلاف الأشخاص ظروفًا مأساوية أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، في ظل غياب خطط أوروبية حقيقية لحماية الأرواح أو معالجة أسباب الهجرة.
في يناير/كانون الثاني الماضي، ضربت العاصفة "هاري" المنطقة بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، ما أدى إلى فقدان نحو ألف مهاجر حياتهم بعد انطلاقهم من سواحل ليبيا وتونس. وفق منظمة "ميديتيرانيا" لإنقاذ البشر، تعد هذه الكارثة من أكبر مآسي غرق المهاجرين في السنوات الأخيرة. نحو 30 قارباً خشبياً أبحرت ليلاً خلال العاصفة، ولم ينجُ سوى قاربَين، في ظل أمواج بلغت 16 متراً، وجرفت المياه جثث الضحايا إلى شواطئ مالطا.
توضح الدراسات أن الاتحاد الأوروبي وسّع حدوده عملياً نحو شمال أفريقيا عبر تمويل تدريب حرس السواحل في ليبيا وتونس، ما جعل المهاجرين أكثر عرضة للخطر، خصوصاً في البحر المتوسط. آلاف الأشخاص يغامرون بالعبور رغم معرفتهم بالمخاطر، نتيجة الحروب، التغيرات المناخية، والاقتصادات الهشة في بلدانهم، إذ غالبًا يكون الموت في البحر أقل سوءاً من الموت الاجتماعي على الأرض.
عمليات المنظمات غير الحكومية لإنقاذ المهاجرين صارت محاصرة سياسياً في أوروبا، قلّل عدد السفن المدنية ورفع معدلات الوفيات.
في المقابل، دعت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، عبر رئيستها ساندرا زامبا، إلى تعزيز عمليات الإنقاذ واحترام حقوق الإنسان، مؤكدة أن إنقاذ الأرواح التزام قانوني وأخلاقي، وطالبت بإنشاء فيلق أوروبي متخصص للبحث والإنقاذ.
الأزمة تتفاقم بفعل فراغ إداري في بلدان العبور، إذ يُحتجز المهاجرون في المخيمات أو يُرفضون عند محاولتهم الوصول شمالاً، فيما تُعاد بعضهم إلى السواحل أو مناطق صحراوية قاسية في تونس، دفن الأهالي في جرجيس المهاجرين المجهولين بجهود تطوعية، مشهداً يبين إنسانية المجتمع المحلي مقابل عجز النظام الدولي.
تشير البيانات الأوروبية إلى أن اعتراض مراكب الهجرة ارتفع من نحو 4 آلاف حالة في 2019 إلى 80 ألف حالة في 2024، لكنها لم تُنه أزمة الهجرة، بل أجبرت المهاجرين على مسارات أطول وأكثر خطورة، ترى المنظمة الدولية للهجرة أن الحد من وفيات المهاجرين يتطلب مقاربة شاملة تشمل تفكيك شبكات التهريب، تعزيز البحث والإنقاذ، توسيع المسارات القانونية، ومعالجة جذور الهجرة في بلدان المنشأ.
قصة الطفلة السيراليونية، التي عُثر عليها طافية على إطارَي سيارة بعد غرق قاربها في ديسمبر/كانون الأول 2024، تختصر هشاشة الأرواح في مواجهة البحر وغياب الاستجابة الدولية، مؤكدة أن حماية الحياة يجب أن تسبق أي تنظيم للحركة، والكرامة الإنسانية هي المعيار الحقيقي لتقييم السياسات، وأن مأساة المتوسط اختبار أخلاقي للنظام الدولي بأسره.